مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

 الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هانى الميهى

الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل الثامن: تبدّل الأدوار – حين يهرب من كان يطارد

 

🔹 الجزء الثاني

حين يبدّل القلب موقعه في اللعبة، لا يُعلن ذلك رسميًا.

يحدث الأمر في صمتٍ داخليٍّ عميق، لا يسمعه أحد،

لكن آثاره تظهر في أبسط التفاصيل: في نغمة الحديث، في طول الرد،

وفي تلك المسافة الغامضة التي تنشأ بين الكلمات دون أن تُقاس بالسنتيمتر،

بل تُقاس بالإحساس.

كان المطارد يومًا ما يرى في كل تراجعٍ من الآخر سببًا للثبات أكثر،

وفي كل بابٍ يُغلق أمامه دافعًا جديدًا للطرق.

لكنه حين يُدرك أن الطرق صار يجرح أصابعه أكثر مما يُحرّك الباب،

حينها يبدأ التبدّل الحقيقي.

يُصبح السعي عبئًا، والحضور استنزافًا،

فيُفضّل الصمت، لا ضعفًا، بل حفاظًا على ما تبقّى من اتزانه الداخلي.

أما الهارب، فحين يشعر أن المطارد توقف عن الجري،

يبدأ القلق يزحف داخله ببطءٍ غريب.

كان يظن أنه يريد الهروب فقط،

لكن الحقيقة أنه كان بحاجة لأن يُلاحَق،

لأن في المطاردة نوعًا من الطمأنينة المبطنة:

شعورٌ بأن هناك من يراك حتى وأنت تهرب.

وحين تتوقف الأقدام التي كانت تلاحقك،

تكتشف أنك كنت تركض لتظلّ مرئيًّا، لا لتختفي.

وهنا، يحدث الانقلاب النفسي الذي يُبدّل كل شيء.

يبدأ الهارب في البحث عن ذاك الصدى الذي كان يسمع خطواته وراءه،

فلا يجد إلا الصمت،

وصوت ضميره يقول له: لقد تأخرت.

العجيب أن التبدّل لا يُعلَن بالكلمات،

بل يُفهم من العيون، من ردٍّ مقتضب، من سلامٍ بارد،

ومن غياب الحنين الذي كان يومًا يحضر دون دعوة.

حينها يدرك الطرفان – بلا اتفاق – أن المسرح نفسه تغيّر،

وأن كلًّا منهما صار يؤدي دورًا لم يتدرّب عليه.

ليس مؤلمًا أن تتبدّل الأدوار،

بل أن تكتشف أن ما كنت تجري نحوه، لم يكن ينتظرك أصلًا.