الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هانى الميهى
الفصل الثامن: تبدّل الأدوار – حين يهرب من كان يطارد
🔹 الجزء الأول
في العلاقات، لا شيء يظل ثابتًا.
الأدوار تتبدّل كما تتبدّل الفصول، والقلوب تُعيد توزيع مواقعها على رقعة الشعور دون إذنٍ أو إنذار.
ذلك الذي كان بالأمس يركض خلف الآخر، يُصبح اليوم منسحبًا بهدوء،
وذلك الذي كان يهرب خوفًا، يجد نفسه فجأةً يبحث عن الأثر الذي تركه من كان يطارده.
إنها اللعبة الأبدية بين القرب والبعد، بين الاحتياج والاعتزاز، بين من يريد أن يُحَب، ومن يريد أن يُفهَم.
لكن أخطر ما في هذه اللعبة ليس تبدّل الأدوار، بل أن يحدث التبدّل بعد فوات الأوان.
حين يهرب من كان يطارد، لا يفعلها انتقامًا،
بل لأن التعب وصل إلى النقطة التي لم تعد فيها المطاردة دليلَ حب، بل علامةَ استنزاف.
وحين يبدأ الهارب في البحث عن المطارد، لا يفعلها حبًّا مفاجئًا،
بل لأن الصمت الذي ظنه انتصارًا صار جدارًا يعزله عن نفسه قبل أن يعزل الآخر.
كم من مطاردٍ صار هاربًا وهو لا يدري،
وكم من هاربٍ استيقظ متأخرًا على فراغٍ لم يعد يُملأ.
المطاردة تُرهق، والهروب يُوجِع،
لكن تبادل الأدوار يكشف حقيقةً لم نُرد أن نراها:
أن كلًّا منهما كان يبحث عن ذاته في الآخر.
إن تبدّل الأدوار ليس مأساة، بل كشف.
فحين ينسحب أحدهما ويبدأ الآخر في اللهاث، تنقلب المرآة:
يرى الأول كم كان ساذجًا حين ظنّ أن الحب يُقاس بالركض،
ويرى الثاني كم كان قاسيًا حين ظنّ أن الصمت أمان.
الهارب الذي يعود متأخرًا لا يعود إلى الشخص،
بل إلى الشعور الذي فقده داخله حين تركه.
أما المطارد الذي صار هاربًا، فقد عرف الدرس:
أن من لا يُدرك قيمتك وأنت قريب، لن يُنصفك حين تبتعد.
وهكذا يبقى القانون واحدًا:
من لم يفهمك حين كنت تقترب، لن يراك حين تختفي.






المزيد
بين مد وجزر بقلم شهد طلعت
شفقٌ بلا ثقافة بقلم مريم الرفاعي
هل سينجو الكتاب من تحديات العصر بقلم سها مراد