الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هانى الميهى
الفصل الثامن: تبدّل الأدوار – حين يهرب من كان يطارد
🔹 الجزء الثالث
في لحظةٍ صامتة، يتحوّل كل شيء.
المطارد القديم يجلس هذه المرة في مقعد المتفرّج،
ينظر إلى المسرح الذي كان يومًا يجري فوقه بكل حماسة،
يراقب الشخص الذي طالما هرب منه وهو الآن يقترب بتردّدٍ غريب.
كم تغيّر المشهد.
كأن الزمن قرر أن يعيد كتابة النصّ، لكن بخطٍّ أكثر نضجًا،
وأقل اندفاعًا.
الهارب الذي كان يجيد الانسحاب دون أن يُصدر صوتًا،
صار فجأةً يبحث عن مبرراتٍ للبقاء.
يُرسل الإشارات نفسها التي كان يتجاهلها من قبل،
ينتظر ردًّا، يفتّش في التفاصيل،
ويعيش قلقًا جديدًا لم يعرفه حين كان هو صاحب القرار.
الحرية التي كان يراها مكسبًا،
تحوّلت إلى عزلةٍ ثقيلة،
كأنها غرفة واسعة بلا نوافذ.
الإنسان حين يبدّل موقعه من المطاردة إلى الهروب، أو العكس،
يكتشف وجهًا جديدًا للحبّ لم يكن يراه من قبل.
فالمطارد يفهم الآن معنى الخوف،
والهارب يختبر مرارة الانتظار.
وكلاهما يتذوّق طعم الصمت الذي كان يظنّه راحة،
ليكتشف أنه مرآةٌ لا ترحم.
إنها العدالة العاطفية التي لا تحتاج إلى محكمة:
كلٌّ يُجرَّب ما صنع بالآخر.
وحين يحاول أحدهما العودة للمشهد،
يجد أن الأرض تغيّرت تحت قدميه.
الأمان القديم لم يعد موجودًا،
والكلمات فقدت طراوتها الأولى.
يكتشف أن العلاقات لا تموت دفعة واحدة،
بل تتآكل ببطءٍ مثل ورقةٍ في المطر،
تذوب تفاصيلها حتى لا يبقى منها سوى خطوطٍ باهتة
تُذكّرك بما كان.
في النهاية، لا أحد يربح في لعبة الهروب والمطاردة،
كل ما هنالك أن الأدوار تتبدّل،
ليتعلّم كلٌّ منهما كيف كان يبدو من عيني الآخر.






المزيد
بين مد وجزر بقلم شهد طلعت
شفقٌ بلا ثقافة بقلم مريم الرفاعي
هل سينجو الكتاب من تحديات العصر بقلم سها مراد