كتبت: هاجر حسن
ليس كل نسيان يحمل في طياته الشفاء. أحيانًا، يتحول إلى ضباب كثيف يغشى الروح، يبتلعها صخب الحياة بلا رحمة، ويتركها تائهة عن ذاتها بين طيات النسيان.
أتذكر عندما أصابني التخبط وقررت الهروب إلى النسيان. كان الشتات يحيط بي كغيمة سوداء كثيفة، خنقت أنفاسي وسلبتني تركيزي، فتبعثرت ذاكرتي كأوراق تذروها الرياح. شعرت حينها وكأنني فتاة تقف حائرة على قضبان السكة الحديدية، عاجزة عن استيعاب خطر القطار السائر الذي لا يشفق على من يعترض طريقه. أو كسمكة ساذجة تبلع الطعم، غير مدركة أنها تقع فريسة لحيلة صياد لا يكلّ أو يملّ. نسيتُ الأذى، فابتلعت الطُعم مرة أخرى.
لذا، أؤمن أن النسيان ليس شفاء دائمًا. أحيانًا، يجعلنا كصفحة بيضاء تُشوهها أقلامًا مختلفة، ولا ندرك حينها أي خط كان عدوًا وأي خط كان درسًا.
التذكر، في كثير من الأحيان، هو درعنا الحصين في مواجهة الخداع أو الحفاظ على أجمل الذكريات. أن تستعيد في ذاكرتك ملامح من فقدت، قد يكون سبيلًا لإحياء ذكراه والاقتداء بما أحب.
أن تحفظ في ذهنك لدغة الثعبان، يحميك من الوقوع مجددًا في شرك مكره. أن تعي لسعة الشوربة، يعلمك أن تتعامل بحذر مع كل ما هو ساخن، حتى لا تحرقك النيران مرة أخرى.
وأن تتذكر الجرح، هو تذكيرًا بأنك نجوت من قلوب سوداء، وأن الشفاء يحدث حين تمضي قدمًا مدركًا ما علمتك التجارب.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في اختيار ما يجب أن نتناساه وما ينبغي أن نحفظه. التغافل أحيانًا هو الدواء، والنسيان الانتقائي قد يكون سبيلًا للاستمرار. أما النسيان التام، فهو طريق ضبابي قد يعيدنا إلى الأخطاء ذاتها، أو يجعلنا نتوه عن ملامحنا الحقيقية.
تذكر بحكمة، واغفر بوعي، وتعلم أن الشفاء يبدأ حين تسيطر على ذاكرتك، وتتعلم من تجاربك، لا حين تهرب منها






المزيد
حقيبة جلد فاطمة فتح الرحمن أحمد
لُعبة الحياة بقلم الكاتبة علياء فتحي السيد (نبض)
جحيم يوم قاسي بقلم الكاتبة صافيناز عمر