مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

النجاة المؤجلة

كتبت خيرة عبدالكريم:

كانت تحاول أن تتكيّف مع الواقع كما يتكيّف الجرح مع الهواء: بصمت، وبألمٍ لا يُرى.

كل يومٍ تستيقظ وهي تُقنع نفسها أن ما مضى كان الأسوأ، وأن الغد لا بدّ أن يكون أرحم. لكن الأيام كانت تكذبها، واحدةً تلو الأخرى.

كبر القهر، لا دفعةً واحدة، بل بالتقسيط.

كلمات جارحة، خيبات متراكمة، أحلام صغُرت حتى صارت عبئًا بدل أن تكون عزاءً. شعرت أن العالم يضغط عليها من كل الجهات، وأن العدالة كلمة تُقال أكثر مما تُعاش.

في ليلةٍ ثقيلة، جلست تحدّق في الفراغ. لم تكن تريد الموت بقدر ما كانت تريد أن يتوقّف الألم. راودتها الفكرة كهمسٍ خبيث: لو انتهى كل شيء الآن، هل سأرتاح؟

ارتجفت. بكت. شعرت بالذنب لأنها فكّرت، وبالضعف لأنها تعبت.

لكن بين أنفاسها المتقطّعة، تذكّرت شيئًا صغيرًا:

ضحكتها القديمة، يدًا كانت تمسك بها يومًا، حلماً لم يُولد بعد.

أدركت أن القهر سرق منها الكثير، لكنه لم ينتصر بعد.

قامت من مكانها ببطء. لم تُحلّ مشاكلها، ولم يختفِ الظلم، لكنّها اختارت أن تؤجّل الاستسلام. اختارت أن تعيش يومًا آخر، لا شجاعةً خارقة، بل عنادًا بسيطًا في وجه القسوة.

وفي ذلك الاختيار الصغير، بدأت قصتها تتغيّر.

ليس لأن الحياة صارت عادلة، بل لأنها قررت أن تكون أحنّ على نفسها، وأن تطلب الضوء… ولو من شرخٍ صغير في العتمة.