مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

المصطفى بعيون حيادية منصفة

Img 20240319 Wa0030

كتب: أحمد حمزة 

طالب بكلية الألسن، قسم اللغة الألمانية، له مدونة باسم “كاتب بيفك الخط”

 

 

من سلسلة “رجال حول محمد”

أحمد حمزة – القاهرة 6 رمضان 1445.

 

لا أستطيع أن ألزم الحياد، وأنا أكتب عن إنسان رفع الله ذكره؛ فلا يُذكر اسم الله، إلا ويُذكر اسمه.

لا أستطيع أن ألزم الحياد، وأنا أكتب عن إنسان، وصفه رب العزة بأنه على خلقٍ عظيم.

لا أستطيع أن ألزم الحياد، وأنا وأكتب عن المصطفى ﷺ الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، لذا؛ سأكتفي بعرض شهادات وعبارات قيلت بحيادية أكثر منهما انفتاحًا على الأديان الأخرى وتسامحًا، على لسان مفكرين وأدباء غربيين.

مبتدئ بواحد من أشهر وأعظم أدباء وشعراء _ ولا أجد مبالغة إن عطفت فلاسفة أيضًا” وفلاسفة ألمانيا، إن لم يكن أعظمهم، جوتة ”

(Johan Wolfgang von Goethe)

الذي بعد إطلاعه على أهم ما نُشر عن الشرق والإسلام بشكل خاص، في ذلك الوقت، كترجمة القرآن الكريم لديفيد فريدريش ميجرلين

(David Friedrich Megerlin)

عام 1771 والذي أبدى بعض التحفظات عليها بعد قراءتها

والمعجم التاريخي لبيير بايل

(Pierre Bayle)

والمكتبة الشرقية لبارتيلمي هربلو

(Barthélemy d’Herbelot de Molainville)

والديانة المحمدية للهولندي ادريان ريلاند

(Adrianus Reland)

وحياة محمد للفرنسي هنري دي بولانفلييه

(Henri de Boulainvilliers)

ومجلة النمساوي المدهش المولع بالثقافة الشرقية ( جوزيف فون هامر بورجستال)

(Joseph von Hammer-Purgstall)

المعنونة باسم

(مخزن الكنوز المشرقية ومعدن الرموز الأجنبية)

والذي جعل شعارها على الغلاف الآية القرآنية من سورة البقرة: {قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

 

والكثير والكثير كنّا احترامًا وتوقيرًا للإسلام، وحبًا عميقًا لشخصية الرسول ﷺ، حتى أبدت كاترينا مومزن

(Katharina Mommsen)

أستاذة الأدب الألماني بجامعة استانفورد إندهاشًا بعلاقة جوتة بالإسلام ونبيه، مستهلة بداية الفصل الثاني من كتابها(جوتة والعالم العربي).

 

بقولها “إن علاقة جوته بالإسلام و بنبيه ﷺ ظاهرة من أكثر الظواهر مدعاة للدهشة في حياة الشاعر” حتى أنه وصفه في قصيدة من قصائده بأنه نهر عظيم يتدفق رقيقًا هادئًا؛ ثم جارفًا للجدوال والسواقي ليصب في بحر الأولوهية، وأيضًا وصف القرآن الكريم بأنه كتاب الكتب.

 

وأعلن وهو في سن السبعين، الاحتفال بليلة نزول القرآن (ليلة القدر)

كما نسبت له تلك العبارات ” إذا الإسلام كان معناه أن لله التسليم؛ فعلى الإسلام نحيى ونموت نحن أجمعين”

لذا، وبعد كل هذا، أجد أنَّ شهادة جوتة من أرسخ وأقوى الشهادات في حق المصطفى ﷺ؛ لأنها ناتجة عن دراسة عميقة وافية للإسلام.

 

وإطلاع واسع على العقيدة، والتشريع، والتاريخ والسّير..

ومن شاعر في ألمانيا إلى شاعر في فرنسا، لامارتين

(Alphonse de Lamartine)

أقر لامارتين بإن محمدًا ﷺ خير الأنام، وأعظم بني البشر جميعًا، حينما قال في مجلد حياة محمد من كتاب “تاريخ الأتراك”

(Histoire de la Turquie)

“إذا كانت الضوابط التي نقيس بها عبقرية الإنسان هي سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك رغم قلة الوسيلة، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيا من عظماء التاريخ الحديث بالنبي محمد ﷺ في عبقريته؟

 

فهؤلاء المشاهير قد صنعوا الأسلحة وسنوا القوانين وأقاموا الإمبراطوريات.

 

فلم يجنوا إلا أمجادًا بالية لم تلبث أن تحطمت بين ظهرانَيْهم.

 

لكن هذا الرجل ﷺ لم يقد الجيوش ويسن التشريعات ويقم الإمبراطوريات ويحكم الشعوب ويروض الحكام فقط.

 

وإنما قاد الملايين من الناس فيما كان يعد ثلث العالم حينئذ. ليس هذا فقط، بل إنه قضى على الأنصاب والأزلام والأديان والأفكار والمعتقدات الباطلة”

وقال أيضًا: أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمدﷺ دراسة وافية، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود”.

ومازلنا في فرنسا، ولكن مع الفيلسوف والكاتب والسياسي روجيه غارودي

(Roger Garaudy)

الذي ولد لأم كاثولوكية وأب ملحد، واعتنق الإسلام عام 1982، والسبب يعود لموقف حدث له في الجزائر عام 1941.

 

أثناء سجنه، إبان الحرب العالمية الثانية، عندما رفض حاملي السلاح من المسلمين الجزائرين، تنفيذ أمر القائد، وإطلاق الرصاص على مناضلين عُزَّل قاموا بعصيان في السجن.

 

من بينهم (روجيه) ولم يفهم روجيه السبب، مما دفعه للبحث في الأمر.

ويقول عن قصة إعتناقه للإسلام: لم أسلم بمحض الصدفة، بل بعد معاناة وبحث، ورحلة طويلة.

وله العديد من المؤلفات مثل “ما يعد به الإسلام”

(Verheißung Islam)

“والإسلام في الغرب_ قرطبة عاصمة العالم والفكر”

“Der Islam im Okzident: Cordoba, Hauptstadt des

Geistes”

ويتحدث عن أن الإسلام ليس دينًا مقتصرًا في المساجد فقط، وإن ما أُنزل على المصطفى ﷺ صالحًا لكل زمان ومكان.

 

قائلًا: إن الإسلام لا يفصل بين الإيمان والعلم والتقنية، بل يجمع بينهم في كل لا يتجزأ، لا يفصل بين البحث عن القوانين والأسباب وبين البحث عن الغايات والأماني.

 

فالإسلام لا يفصل الدين عن الاقتصاد والسياسة، وأن ما جاء به رسول الله ﷺ إنما جاءه من عند ربه.

 

وأن الوحي الإلهي لا ينبغي أن نضعه في إطار زمني من تاريخ أو من ثقافة أو من حياة شعب، ومن الخطأ الفادح أن نفصل شريعة الله عن حياتنا.

ومازلنا في القارة العجوز، تحديدا في بريطانيا، ولكن مع المؤرخ والمترجم سيمون أوكلي

(Simon Ockley)

أستاذ اللغات الشرقية في جامعة كامبردج، وصاحب كتاب معنون باسم “تاريخ المسلمين”

“The History of the Saracens: Comprising the Lives of Muhammed and His

Successors”

وتحدث سيمون

في مؤلَّف له، مشاركة مع ابن دولته (المستشرق إدوارد جيبون)

(Edward Gibbon)

معنون باسم ” تاريخ إمبراطورية الشرق”

” The Saracens : their history and the rise and fall of their”

عن عظمة الدين الإسلامي، واستمداد صمود دعوته من صمود نبيه، المصطفى ﷺ قائلا: ليس انتشار الدعوة الإسلامية هو ما يستحق الانبهار، وإنما استمراريتها وثباتها على مر العصور؛ فما زال الانطباع الرائع الذي حفره محمد في مكة والمدينة له نفس الروعة والقوة في نفوس الهنود والأفارقة والأتراك حديثي العهد بالقرآن، رغم مرور أثني عشر قرنًا من الزمان.

 

لقد استطاع المسلمون الصمود يدا واحدة في مواجهة فتنة الإيمان بالله رغم أنهم لم يعرفوه؛ إلا من خلال العقل والمشاعر الإنسانية، فقول ” اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله” هي ببساطة شهادة الإسلام، ولم يتأثر إحساسهم بألوهية الله (عز وجل) بوجود أي من الأشياء المنظورة التي كانت تُتخذ آلهة من دون الله.

 

ولم يتجاوز شرف النبي وفضائله حدود الفضيلة المعروفة لدى البشر، كما أن منهجه في الحياة جعل مظاهر امتنان الصحابة له لهدايته إياهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور منحصرة في نطاق العقل والدين.

نعتُ شهادات المفكرين الغربين بالحيادية والإنصاف؛ لأنهم جميعًا لم يرتدوا عباءة الإسلام، باستثناء (روجيه غارودي).

 

فخرجت شهادتهم منصفة في حق نبي شهد الله له بحسن الخلق نابعة عن بحث وتحليل ودراسة.

 

فغدت تلك الشهادات شموع في ظلام حالك، وتعتيم متعمد، وجهل مدقع، لسيرة شخص، تفتخر البشرية بانتسابه إليها!

 

وحاولوا جاهدين بناء جسور بين الشرق والغرب في زمن انتشر فيه بناء سدود وحوائط بين قطري العالم.

لم يتفق بنو البشر على إله واحد، بل اختلفوا وتجبروا على رب العزة، فلما العجب عندما يسبون خير الأنام؟

 

وهذه نبوءة (ورقة بن نوفل) من قرون عدة، عندما قال للمصطفى ﷺ : لم يأتِ رجل بمثل ما جئت به يا محمد، إلا وعُودي

يجب على الجميع قبل اتهمام شخص كمحمد ﷺ بتهم دنيئة حقيرة.

 

أن يلقوا نظرة على سيرته، من أول نزول الوحي عليه “بأقرأ” رغم أُميُّته، وارتعاده من هول ما رأى، طالبًا من أهله أن يزملوه، ويدثروه.

 

إلى يومنا هذا ووصول اتباعه لما يقارب المليارين.

طبت حيًا وميتًا يا مسك الختام، وبدر التمام، وخير الأنام.