مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

اللحظة التي ايقظت الروح – الكاتب عبدالعليم حمدالحاج

اللحظة التي أيقظت الروح
🖋عبدالعليم حمدالحاج

في لحظة هادئة، كالنسيم الذي يلامس وجه الصباح قبل ان يثور العالم، وقفت امام المرآة، انظر الى عيني اللتين كانتا تخفيان سر الروح المتعبة. كانت الحياة قبلها سلسلة من اليوميات، تتدفق كنهر مستقر، لا يعرف الموجات العالية، ولا الغرق في اعماق الالم. كنت اعيش، لكن لم احيا. الايام تمرر، كالاسماء المتكررة في قائمة الواجبات، والقلب ينبض بلا احساس، بلا لون، بلا ذلك الشوق الذي يجعل الحياة نبضا حيا.

ثم جاءت، اللحظة، تلك اللحظة التي غيرت كل شيء، كالبرق الذي يشق السماء في ليلة مظلمة، ينير ويخيف في الوقت نفسه. كنت في المستشفى، امسك يد ابي المتوهجة، وهي تبرد، تبرد، تبرد، كأنها تمنحني سر الحياة في آخر نفسة. قال لي بصوت خفيض، يتراقص مع الالم، “الحياة ليست في الايام العابرة، بل في اللحظات التي نحياها بقلب مفتوح”. وفي تلك اللحظة، تلك اللحظة المؤلمة، انشقت ابواب الوعي، وسقطت الاقنعة التي كنت ارتديها، سقطت، كاوراق الشجر في رياح الخريف، تكشف عن جذور عميقة كانت مدفونة تحت التراب.

بعداها، غيرت نظرتي للحياة، فصارت ليست سبيلا طويلا مملا، بل سلسلة من اللحظات المتلاقية، كل واحدة تحمل نارا تشعل القلب، ونورا يضيء الدرب. ادركت ان الفرح ليس في الممالك الكبيرة، بل في ضحكة طفل يركض في الحديقة، يركض، كأن العالم كله لعبة واحدة. والالم ليس نهاية، بل بابا يفتح على حكمة، حكمة تتراقص مع الايام، كالموج الذي يصطدم بالصخرة ويعود اقوى، ملينا الحجارة بصبره المتكرر.

الآن، اعيش الحياة كما هي، بجمالها وألمها، بلحظاتها التي تتغير، كالانغام في اغنية تتدفق من القلب. أرى في كل شيء إمكانية للتغيير، في الغروب بداية جديدة، في الامطار دمعا ينقي الروح، ينقي، ينقي، ينقي، كأن الحياة نهر يجري بلا نهاية، وأنا السائل فيه، اتعلم ان أستمتع بالمسيرة، ليس بالوصال فقط. تلك اللحظة، تلك اللحظة المقدسة، أعادت بناء عالمي، جعلتني أرى الحياة ليست مجهادا، بل قصة تكتبها الارواح المتحدية، قصة تتكرر فيها الامل، تتكرر، تتكرر، حتى يصبح هو الحقيقة الوحيدة.

هل ترى كيف غيرت؟ في كل نظرة، في كل نبضة، أجد أثرها، أثر تلك اللحظة التي أعلنت: الحياة للمن يعيشها بكامل قلبه، بتكرار الحب والالم، بالايقاع الذي يجعل الروح ترقص، إلى أبد الأبد.

#الأمير المتمرد