حوار: ندا ثروت
كاتب مبدع ذو قلم رائع وفكر حكيم رسالته هي ” الإصلاح وغرس القيم داخل النفوس”.
هل من الممكن أن تحدثنا عن نفسك؟
فى البداية اسمى محمد عبد الحميد عطية من مواليد مركز أبو تشت محافظة قنا، سنة 1979م.
نشأت فى أسرة متوسطة الحال لأب يعمل موظفا وأم ربة منزل، نحن إحدى عشر أخ وأخت أنا أكبرهم، بدايتى كان هادئة أعيش الحياة كطفل أخوته يزدادون سنة بعد الأخرى، التحقت بالتعليم الأزهري منذ البداية، فبدأت بحفظ القرأن الكريم وتفوقت فيه، وتدرجت فى الدراسة حتى التحقت بكلية التجارة جامعة الأزهر بالقاهرة.
كانت تلك مرتي الأولى التي أحضر فيها إلى قاهرة المعز، إلى بلد كل الأطياف والألوان أبحث عن موضع قدم أو مأوى يخفف عنى غضب القاهرة، ويؤنس وحشتها فكم كانت قاسية على الغرباء، رغم نورها الذي لا ينطفأ رأيتها عتمة، ورغم بهجة الوجوه فيها فما رأيتها إلا عابسة، لن أنسى أبدا استقبالها ليّ.. صبيحة يوم لا أعرف فيه من أنا ومن أكون، إحتضنت حقيبة ملابسي وأخذت أربت عليها وكأنها هى من تربت على كتفي، أخذت أهز رأسي وأحرك جسدي فربما إنتظمت دقات قلبي وهدأت ثورته، ظللت هكذا حتى إندمجت مع أهلها وحفظت دروبها، وكأنى أتذكر الآن حياة ستة أشهر من عمرى فى مساكن زينهم بالسيدة نفيسة؛
على كل حال أنهيت دراستى وأصبحت متفوقا فنلت المرتبة الأولى على دفعتي، وهممت بمغادرة القاهرة والبحث عن موطن أخر تطيب فيه الحياة، وكأنما القاهرة أبت وها هى تخرج ليّ لسانها وكأنها تقول: لن تغادر ولن تذهب فثمة قصة هنا سنعيشها معا، نعم عُينت بالكلية التى تخرجت منها وتدرجت فى وظائفها حتى حصلت على الدكتوراة فى المحاسبة وعينت مدرسا لذات التخصص والآن قاب قوسين أو أدنى من الترقية، ولكن أود أن أقول لكِ أننا صرنا أصدقاء – أنا والقاهرة – بل باتت للقلب موطنًا وللروح ونيسا.

لكل شخص بداية فكيف بدأت مسيرتك الأدبية؟
عندي يقين بقول أنسبه لنفسي “قبل أن تمسك قلما عليك أن تقرأ ورقا”، فقبل الكتابة قرأت كثيرا فى كل ألوان المعرفة، فى صغري كان ليّ شيخا – د/عبد الكريم بلال – رحمه الله، كلما سألته سؤالا قال لي إقرأ؟، وكان أبي – رحمه الله – كلما رأنى أقرأ طلب منى أن أقص عليه ما قرأت ومن هنا أضحيت قارئا وقصاصا، حتى أعطانى الله روحا رفقة روحى، وقلبا بجوار قلبى أقص عليه ما أقرأ، راح بلا كل أو ملل يسمع خواطرى وكلماتي، فألح عليَ بالكتابة وأنا خائف، فليس كل كاتب مبدع وليس كل قلم معبر، وخاصة عندما إنتشرت الأقلام وزادت الكلمات، مع كثرة الإلحاح والرجاء ما كان عليَ إلا الكتابة، فأمسكت قلمي وكتبت أول رواياتي (حور) ظللت قرابة عام أكتب وروحى المتعلقة بى تقرأ، وعند الإنتهاء تمنيت لو أنني لم أكتب، ثم تحدثت على استحياء مع د/ شاهندة الزيات وكان بينى وبينها سابق معرفة وتعامل، فرحبت بالأمر وطلبت مني الإنتظار حتى تصدر اللجنة رأيها فى الرواية، ظللت فى إنتظار أعض الأنامل واصابني اليأس، حتى كانت مكالمة د/ شاهندة التى انهالت بالثناء على الرواية هي ولجنة التحكيم، حينئذ تم نشر حور وخرجت إبنتى الأولى إلى النور، ثم بعدها بعام خرج المولود الثاني “سنابل سوداء”، والآن بصدد الإنتهاء من عملين تؤام أتمنى أن يرى الدنيا كما رأها أخوتهم.
هل من الممكن أن تطلعنا على أقرب اقتباس إلى قلبك سواء من كتابتك أو من أخر؟
بكل تأكيد هذا اقتباس من رواية مازالت قيد الكتابة ” الأوراق دائمًا تسكنها الأرواح.. نعم روح صاحب قصتها، وروح كاتبها، وروح من يقرأها لتصبح بروح تعيش في عالم أرواحِنا جميعًا” ، واقتباس من سنابل سوداء ” وما بين البئر والجُحر مأساة وألم، قلب أبٍ إنفطر وأعين ابيضت من الحزن”، وأخر ” من النادر جدًا أن تسمح لنا الحياة بالتجوّل في أحلامنا وملامسة الذكريات المفقودة.. رغم أن الطموح يتأثر بالأحلام التي رسمتها ذكريات الماضي وآلامه”.

هناك كثير من القصص التى نقرؤها لا توثر بنا، برأيك من أين الخلل؟ هل هو من كاتب القصة أم المتلقي؟
فى رأي أن الخلل دائما فى الكاتب، لأن المتلقى يبحث عن الكلمات التى تثير أشياء ما بداخله، نعم فكثير من القراء يجدون أفراحهم وآلامهم داخل الأوراق التي يقرؤنها، إن لم يجد الكاتب لون صادق لكلماته فإنها تفقد روحها، وكما قولت لكِ الأوراق دائمًا تسكنها الأرواح..روح صاحب قصتها، وروح كاتبها، وروح من يقرأها لتصبح بروح تعيش في عالم أرواحِنا جميعًا، فإن فقدنا روح القصة أصبحنا كمن يصرخ فى ميت.
هل تكتب لشخص بعينه؟ وهل تجد نفسك بداخل كتابتك؟
فى البداية دعينى أقسم السؤال إلى شقين: الأول هل تكتب لشخص بعينه؟ فى الحقيقة لا، أنا أكتب لجمهور عريض واعى لا يهدر وقته فى شيء بلا معنى أو قيمة، ولكن سوف أكشف لكِ سر كتابتي! عندما أكتب احاول أن يجد القارئ – أيا كان فكره – نفسه داخل أوراقي! صدقينى دائما ما اتعمد أن يجد القارئ نفسه وسط الكلمات التى يقرأها وكأني أقصده بعينه.
أما الشق الثاني: هل تجد نفسك بداخل كتابتك؟ نعم أجد نفسي داخل ما أكتب، وإن لم أجدها أتوقف فورا عن الكتابة وأفتش عن الخلل الذي أصابني.. أتدرين لماذا؟ لأني صرت قارئا لنفسي قبل أن أكتب، أي أنظر إلى ما أكتب بعين القارئ ودائما ما أسأل سؤالي المعتاد، ما قصده مما يكتب؟ وأين أنا من هذا؟
هل تتأثر بالنقد؟
لا.. النقد بالنسبة لي هو المحور الأهم فى القضية، دائمًا ما اتلقي النقد بصدر رحب وأحيانا اتعلم منه، ولكن لا بد أن نفرق بين النقد والهدم، فبعض الأشخاص يجلسون معى وسرعان ما يتحول نقدهم إلى هدم الفكرة من الأساس؛
فدعيني أطرح سؤال، طرحه عليَ أحد الأشخاص المقربين، كم استغرقت الرواية وقتا لكتابتها؟ عشرة شهور! يااااه إنك مندفع فى الكتابة فالكاتب فلان أخذ سنين فى كتابة رواية كذا والكاتب فلان قضي نصف عمره فى كتابة رواية كذا؛
فهل تعتقدي من وجهة نظرك أن هذا نقدًا؟
هناك من يقول أن زمن القصة القصيرة انتهى، وأن الرواية لها القدرة على التعبير والتواصل أكثر من القصة القصيرة، ما رأيك فى ذلك.
كما ذكرت لكِ لكل لون جمهور فزمن القصة القصيرة لم ينتهي ولن ينتهي، الأهم ماذا تقدم القصة القصيرة، وهل الحبكة كاملة أم بها خلل، إن نجح الكاتب فى ذلك نجحت قصته.
بنظرك ما هى أهم المهارات التى يجب توافرها لدى الكاتب؟
الموهبة، فإن توافرت الموهبة استطاع الكاتب توفير الأدوات وهنا نكون أمام عدة احتمالات هى:
كاتب لديه الموهبة ويمتلك الأدوات فتكون روايته ممتازة ولها جمهور كبير؛
كاتب لديه الموهبة ولا يمتلك الأدوات، ربما قضى على موهبته وظلم نفسه ولكنى أعتقد أن للرواية روح؛
كاتب يمتلك الأدوات ولا يمتلك الموهبة: يستطيع إخراج عمل مقبول ولكنه يفتقد الروح، هذا النوع من الكتابة يموت سريعا ويهزم الكاتب داخل هذه الصناعة؛
كاتب لا يمتلك الموهبة ولا يمتلك الأدوات، فمن وجهة نظري يعد هذا العمل عبثيا وللأسف نراه كثيرا؛
والآن أعود إلى طرحك، فالمهارات أو الأدوات تتمثل فى:
الموهبة.
امتلاك مفردات اللغة.
القصة وهدفها.
الحبكة.
الثقافة والمعرفة.

هل من الممكن أن تحدثنا عن أعمالك؟
طبعا بكل سرور:
عملي الأول رواية باسم (حور) وهى عمل درامي يعتمد على الفانتازيا، أو مدرسة الواقعية السحرية – هذا ما قاله النقاد – وهي عبارة عن صراع بين الخير والشر قائما على أعمال السحر والشعوذة، طوال القصة يتعرف القارئ على أطراف الصراع والمواقف التي تحدث بينهما، سيستغرب القارئ كثيرا وتمتلكه الحيرة، وأحيانا يبكي حتى يصل للنهاية الصادمة – هذا ما قاله جل القراء – وبالمناسبة هذه الرواية لها جزء ثان سيطرح فى معرض القاهرة القادم بإذن الله وأتمنى أن ينال نجاح الجزء الأول.
أما روايتى الثانية فتحمل عنوان (سنابل سوداء) وهى دراما اجتماعية تعود لحقبة الخمسينيات والستينيات قائمة على صراع بين سبعة من الأخوة يؤدى إلى تردي أوضاع البيت الذي يسكنون فيه، هذا العمل اعتقد أن كل قارئ سوف يجد نفسه فيه لا محالة، أما عن رأى القراء فيه فمفاده أنهم لم يتفقوا على ماذا يريد الكاتب، كل قارئ رأى الأحداث من وجهة نظره، وهذا كان النجاح بالنسبة لي فقد قصدت ذلك من البداية.
أعمل الآن فى عملين مختلفين الأول الجزء الثاني من حور، أما العمل الأخر فإنه يفتح قضية مسكوت عنها ويفتح دفاتر وأوراق سيجد فيها القراء لون مختلفا من الأحداث.
لكل بيئة أثرها على الكاتب ، فهل تركت البيئة المصرية أثر داخلك؟
نعم هناك أثر كبير للبيئة المصرية على شخصيتى ككاتب وبالأخص بيئة الصعيد، منذ صغرى كنت أجلس ومازلت مع الأعمام والجدات والنساء المسنات أسمع منهم، وبطبعي تأثرت بأسلوب الحكي الجنوبي واتمنى يومًا أن أصبح من كبار كتابه ومبدعيه، ورواية حور وسنابل سوداء تدور أحداثهما فى الصعيد وعلى وجه التحديد محافظتى.
لكل كاتب رسالة فما هي رسالة الدكتور محمد عطية الأولى؟
رسالتي الإصلاح وغرس القيم داخل النفوس.
هل لديك هوايات أخرى؟
هوايتى الأساسية القراءة، وإذا أردنا شيء بجوارها فمن الممكن الرياضة والزراعة.
ما هو السؤال الذي كنت تنتظر طرحه عليك ولم تجده هنا؟
لماذا كتبت؟.
ما هو انطباعك عن الحوار؟
أنا سعيد جدًا بهذا اللقاء وفي غاية امتناني.. اتمنى لكم النجاح والتوفيق.
ما هي النصيحة التي ترغب فى توجيهها للكتاب الشباب؟
إن كان من حقي تقديم النصيحة، فإني انصحهم ببذل العناية فى اختيار الموضوع، والتركيز على الموضوعات التي تضيف للأدب العربي لا تنقص منه.
ما رأيك فى مجلة إيفرست الأدبية؟
كون أن تُنشأ استثمارًا يخدم المجال الأدبي والثقافي فإن هذا فى حد ذاته يعنى لي الكثير، وأرى أنها مجلة واعدة سوف تضيف للمجال الأدبي وتعود له الروح، ويمكنها أن تعيد للذهب بريقه من خلال التفتيش عن الكتاب واكتشاف المواهب ودعمها، فلمجلة ايفرست كل الإحترام والتقدير والدعاء الصادق بالتوفيق والإزدهار.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب