كتبت منال ربيعي
كانَ وجهُهُ مُحمَّلًا بندوبِ الزَّمن، كأنَّهُ خريطةُ حربٍ لم تُحكَ فصولُها بعد، لكنِّي لم أستطع أن أشيحَ بناظري عنه. ثمَّةَ شيءٌ آسرٌ في التواءِ ملامحِه، في الخطوطِ العميقة التي حفرتْها الأيامُ على جبينه، كأنَّها وشمٌ مقدَّسٌ لا يمحوهُ العمرُ ولا يغيِّبهُ الغبار.
كان يمشي بينَ النَّاسِ بظهرٍ مُنحَنٍ، كأنَّهُ يحملُ على كتفيهِ سرًّا قديمًا، سرًّا لا يبوحُ بهِ إلَّا لمن يملكُ الجرأةَ على تأمُّلِه. حينَ ضحكَ – وتلكَ كانتْ نادرة – لمعتْ أسنانُهُ الصفراءُ كحجارةِ طريقٍ قديم، غير أنَّ ضحكتَهُ كانت صادقة، أكثرَ صدقًا من ضحكاتِ الوجوهِ المُتناسقة، التي تُخفي تحتَ سطوحِها نفاقًا لامعًا.
كنتُ أتأمَّلهُ وأتساءل: كيف يمكنُ لشيءٍ أن يكونَ قبيحًا بهذا الجمال؟ كيف يستطيعُ وجهٌ مكدودٌ أن يُخبرَ قصصًا دونَ أن ينطقَ بكلمة؟ كانَ قبحُهُ جميلاً لأنَّهُ حقيقيٌّ، لأنَّهُ لم يُزَيَّف، لم يُخْفِ ضعفَهُ خلفَ أقنعةٍ مصطنعة، بل ارتدى جُرحَهُ كوسامِ فخرٍ على صدرِه.
في عالمٍ يُعاقبُ الصدقَ بالقسوة، كانَ هو أجملَ من كلِّ الأقنعةِ المُزيَّنة، لأنَّهُ كانَ وجهًا، لا قناعًا.






المزيد
فليفـض الدمـع بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
حين اكتـفيتُ بنفسي بقــلم شــاهينـــاز مـحمــد
حين نجلس بجوار من غابوا… ونحاول أن نصدق أنهم ما زالوا هنا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر