مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفصل السابع: سقوط بلا جمهور بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل السابع: سقوط بلا جمهور
الكاتب هانى الميهى

لم يكن السقوط مؤلمًا فقط…
بل كان صامتًا.
كنت أظن، في داخلي،
أن لحظات الانهيار تكون واضحة،
درامية،
يراها الآخرون،
ويتفهمونها.
لكن ما حدث…
كان مختلفًا تمامًا.
سقطت…
ولم يلاحظ أحد.
استمر العالم كما هو.
الناس تتحرك،
تضحك،
تتحدث،
تنجز…
وأنا…
كنت ثابتًا في مكاني.
لا شيء تغيّر في الخارج،
لكن كل شيء تغيّر في الداخل.
وهنا بدأت أشعر بشيء جديد:
العزلة.
ليس لأنني وحدي،
بل لأنني غير مرئي.
كنت موجودًا بينهم،
لكنني لم أكن حاضرًا.
أتحدث…
لكن دون إحساس.
أتحرك…
لكن دون اتجاه.
وكأنني أؤدي دور “الشخص الطبيعي”،
بينما داخلي…
ينهار بصمت.
لم أطلب المساعدة.
ليس لأنني لا أحتاجها،
بل لأنني لم أكن أعرف كيف أطلبها.
كيف تشرح شعورًا
لا تفهمه أنت أصلًا؟
كنت أخاف أن أبدو ضعيفًا،
أو أن يُساء فهمي،
أو أن أُقابل بعبارات جاهزة:
“كلنا نمر بهذا.”
“شد حيلك.”
“فترة وهتعدي.”
لم أكن أحتاج نصيحة.
كنت أحتاج…
أن أشعر أن ما يحدث لي… مفهوم.
لكنني لم أجد ذلك.
فاخترت الصمت.
الصمت كان أسهل.
لا يحتاج شرحًا،
ولا يفتح أبوابًا
لا أملك القدرة على التعامل معها.
لكن الصمت…
لم يكن حياديًا.
كان يتراكم،
يكبر،
ويحول كل شيء داخلي
إلى مساحة مغلقة.
كنت أجلس مع نفسي كثيرًا،
لكنني لم أكن أرتاح.
العكس تمامًا…
كنت أزداد توترًا.
لأنني، ولأول مرة،
لم أستطع الهروب.
لا عمل يلهيني،
ولا إنجاز يغطي الفراغ،
ولا حركة تُخفي الحقيقة.
فقط أنا…
وحقيقتي.
وهذا اللقاء…
لم يكن سهلًا.
بدأت أرى أشياء لم أكن أراها.
تفاصيل صغيرة،
قرارات قديمة،
تنازلات تجاهلتها.
كل شيء عاد…
لكن بدون تبرير هذه المرة.
كنت أرى بوضوح،
لكنني لم أكن مرتاحًا.
الوضوح…
قد يكون قاسيًا.
لأنه يضعك أمام نفسك
دون أي حماية.
لم أعد أستطيع أن ألوم الظروف،
ولا الوقت،
ولا الآخرين.
لأن الحقيقة كانت أبسط من ذلك…
وأصعب.
أنا…
كنت جزءًا من هذا كله.
هذا الإدراك لم يكن مريحًا،
لكنه كان حقيقيًا.
وفي هذا الصمت الطويل،
بدأت أسمع شيئًا مختلفًا.
لم يكن صوتًا خارجيًا،
بل صوت داخلي…
لكن هذه المرة،
لم أستطع تجاهله.
كان يسألني بهدوء:
“هل أنت بخير فعلًا؟”
سؤال بسيط،
لكنه أربكني.
لأن الإجابة لم تكن واضحة،
أو ربما…
كانت واضحة أكثر مما يجب.
لا…
لم أكن بخير.
لكن الاعتراف بذلك،
كان أصعب من السقوط نفسه.
لأنك حين تعترف،
تبدأ في مواجهة كل ما تجاهلته.
وأنا…
لم أكن مستعدًا بعد.
لكن رغم ذلك،
بدأ شيء يتغير.
لم أعد أريد أن أهرب.
ليس لأنني أصبحت قويًا،
بل لأنني تعبت من الهروب.
التعب…
كان بداية مختلفة.
ليس نهاية،
بل نقطة تحول.
وفي هذا الصمت،
رغم ثقله،
كان هناك شيء صغير…
يكبر.
شيء يشبه الصدق.
صدق لم أعتده،
لكنه كان ضروريًا.
لأنك لا تستطيع أن تبدأ من جديد،
وأنت لا تزال تهرب من الحقيقة.
وهكذا،
في سقوط لم يره أحد،
وفي صمت لم يسمعه أحد…
بدأت أرى نفسي،
لأول مرة… بوضوح.

رسالة الفصل:
حين تسقط وحدك…
ترى حقيقتك كما هي،
دون تصفيق…
ودون تزييف.

تمهيد الفصل القادم:
لكن الصمت الذي اخترته،
لم يكن مجرد هدوء…
بل كان مرآة،
عكست لي أشياء…
لم أكن مستعدًا لرؤيتها.