المحرر/أميرة أبو القاسم
1_في البداية، أود أن أعبر لك عن خالص شكري وامتناني لإتاحة هذا الحوار لي. يحيى عايد عباس، المشهور بيحيى عباس، شعرك يتميز بنبرة خاصة تلمس القارئ مباشرة وتترك أثرًا طويلًا. من أين ينبع هذا التميز، خاصةً وأنت صغير السن؟ وما الذي تبحث عنه في كل قصيدة تكتبها؟
_أحبُّ في شِعري الكتابة باللهجة المباشرة التي تصل إلى قلوب جميع القراء قبل عقولهم، كبارًا وصِغارًا. بدأت القصة عندما ختمت القرآن الكريم على يد شيخي رضا جميل في سن الثانية عشرة، وبدأت بكتابة أول محاولة شعرية كانت أقرب للنصوص النثرية حينها. اكتشفت بالصدفة البحتة أنه يكتب الشعر أيضًا فأرشدني لدراسة علم العروض والبحور الشعرية، وبدأت بكتابة الشعر العمودي الفصيح في الصف الأول الإعدادي وعُمري ثلاثة عشر عامًا، ومن ثم اتجهت مؤخرًا إلى شعر العامية بجانب الشعر الفصيح لما وجدت فيه التأثير الأقوى والسيطرة على مشاعر أغلب الفئات. أبحثُ في كل قصيدة عن ذاتي الشاعرة وعن قضايا جيلي التي نعيشها سويًا، كما عهدتُ الشاعر لسانًا ناطقًا بالحق، مؤرخًا للأحداث، حُرًا أبد الدهر.
2_إذا طُلب منك أن تعرف نفسك بكلمات قليلة، كيف تختار أن تُعرف بها؟ أم هل تعرف نفسك كما وصفتها في الخاطرة على غلاف ديوانك ‘يويو’؟
_نعم، أصبتِ الاختيار؛ خير ما يعرف به الإنسان شعره، وأنا أعُد هذه المقطوعة الصغيرة على غلاف الديوان بطاقة تعريف لي في هذه الدنيا:
“لو تطلبوا تعريف عني هقول:
تمثال وبيكره فَنِّ النَّحت!
سكر بيدوب جوا المحلول
أبيض ويا ريتني بطيبتي فلحت
شباك مفتوح للناس على طول
ولغيرهم عمري ما مرة فتحت
معروف بـ القلشة فـ وسط الحُزن
أستاذ فـ فنون الضحك البحت
وحياتي بتشبه لـ اليويو..
تتشعبط روحي فـ حبل ظروف
ترفعني لفوق وتجيبني لتحت”
3_لا أنكر أن هذه الخاطرة الشعرية استوقفتني كثيرًا، ولكن حدثني متى شعرت لأول مرة أن الشعر اختارك أنت، لا أنك اخترته؟
_ينتابني الشعور دومًا أن الشعر اصطفاني من بين البشر حتى أرفع رايته بإذن الله، في كل مرةٍ تجتاحني النكسات أقوم مستندًا على قصائدي، وكل حادثةٍ جزعة وفرحةٍ بالغة دونتها بين أبياتي. الشعر لهُ مذاق خاص لا يستمتع به إلا من يكتبه.
4_هل تكتب حين يفيض الشعور أم حين تعجز عن الكلام؟
_سؤال جميل يسعدني الإجابة عليه، لأنه وبكل بساطة الشاعر لا ينزف على مرأى من الجميع كما الجرحى، إنما يفرغ لهيب صمته على الأوراق، ومريض بداء الكتمان، وبروحه نزيف داخلي لا يندمل أبدًا.
5_إذًا، كيف تتعامل مع القصائد التي تكشفك، خاصة أن ليس كل القراء سواء، وبعضهم يقرأ ما بين السطور؟
_ربما أتجنب إلقاءها أمام الجمهور حتى لا تخونني دموعي، وربما ألقيها وأتلذذ بحزني أحيانًا وأتقبل الأمر الواقع، لأن وراء كل شاعرٍ عظيم جرحٌ عظيم.
6_هل يمكن القول إن الحزن، في بعض الأحيان، هو السرّ الذي يمنح القصيدة صدقها وفتنتها؟
_نعم، هذا صحيح جدًا. في أغلب الأحيان الحُزن هو الطاقة الكامنة وراء انفجار النص الشعري، ويكون تأثيره على مشاعر الناس أقوى من تأثير الفرح.
7_هل الشعر بالنسبة لك شفاء أم إعادة فتح للجراح؟
_الشعر بالنسبة لي هو جرحّ متحول، لكن مع ذلك يظل الشعر رفيقي الدائم في فرحي وشدائدي، فأحمد الله أن وهبني للشعر ووهب الشعر لي.
8_ماذا فعل الشعر بك ولم يفعله بك شيء آخر؟
_فعل بي كل خير، آواني في ضعفي واحتوى أسراري، شدى لي في وقت سروري، وقذف بي من قاع الجمود إلى زهوة الإحساس.
9_إذا فقد كان بمثابة الصديق والرفيق المخلص أكثر مما يفعل البشر، هل تكتب لنفسك أم لمن سيشبهك يومًا؟
_في الحقيقة، أنا أكتب تعبيرًا عن نفسي في المقام الأول وإشباعًا لذاتي، لكن هذا لا يمنع أنني أكتب لكل من يعجبه شعري ويوافقه فكري ويشبه شخصي.
10_ما الشعور الذي تتمنى أن يرافق القارئ بعد أن يفرغ من قراءة قصائدك؟
_سأسعد جدًا إذا أعجب بقصيدتي، لكن لن أحزن إذا لم تعجبه، لأن هذا رأيه يحترم، ولكنه لا يمثلني، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
11_يُقال إن الشعراء أكثر الناس إحساسًا، فكيف تتعامل مع هذا الفيض دون أن يثقل قلبك؟
_لا بأس أبدًا، من حسن حظي أني أمتلك هذه الحساسية. أبكي بشدة عند الوهن حتى أبكي من يراني، وأطير بجناحي قلبي عند الفرح. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يدخل الناس أقوامٌ أفئدتهم مثل أفئدة الطير…” نسأل الله أن نكون منهم.
12_آمين. إذا، هل ترى نفسك امتدادًا للشعر القديم أم صوتًا ينتمي للجيل الجديد؟
_لا أرى نفسي أسير في طريق الشعر إلا تمهيدًا لمدرستي الشعرية الخاصة وصوتي الأدبي الذي أحسبه مميزًا إن شاء الله، ربما يجعل الله لنا أثرًا في قلوب الناس بعد مماتنا.
13_أرجو ذلك حقًا. إذا حدثنا عن ديوان شعرك الجديد “يويو”، لماذا اخترت له هذا الاسم تحديدًا؟ قلت إنه إسقاط لشيئين، أحدهما لن يعرفه إلا المقربون منك، فما الآخر؟
_”يويو” هو إشارة مزدوجة لشيئين: الأول يويو هو اسم الدلع الذي كانت تناديني به أمي في الطفولة، والثاني هي لعبة اليويو التي يحبها الأطفال. فكرة الديوان تقوم على تجاربي في حياتي الطفولية ومراهقتي حتى سن الـ 19، والتي تشبه تمامًا لعبة اليويو التي تتأرجح ما بين الصمود والسقوط الحر.
14_جميل جدًا. أعلم أنه ليس عملك الأول، فقد صدر ديوان آخر لك من دار نبض القمة للنشر والتوزيع. أخبرنا عن رحلتك مع النشر وما هي الصعوبات التي واجهتك؟
_صدر لي ديوانين عامية قبل ديوان “يويو” في نفس الدار، دار نبض القمة للنشر والتوزيع، وأسماءهما على الترتيب: “الكوميديا السودا” عام 2023، و”الكمين” عام 2024. وصدر لي أيضًا ديوان “فكر شارد” شعر فصحى عام 2021. رحلة النشر رحلة جميلة مليئة بالمفاجآت، ربما الصعوبة الوحيدة التي واجهتها في بداية طريقي هو استصغار سني، لكن الآن بفضل الله أصدرت أول ديوان لي وأنا ابن أربعة عشر عامًا، واليوم لي أربعة دواوين، وأنا ابن تسعة عشر عامًا، وكتيب “البني هادمين” صغير في أدب الطفل صادر عن المركز القومي لثقافة الطفل، توثيقًا للقصائد التي حصلت بها على المركز الأول جائزة الدولة للمبدع الصغير، فرع الشعر، الدورة الثالثة عام 2023، تحت رعاية حرم رئيس الجمهورية.
15_مبارك لك هذه الإنجازات العظيمة، وأتمنى لك المزيد من التقدم والنجاح. والآن، أخبرنا، هل هناك قصيدة محببة لك دون غيرها، أم أنك لا تميز بين شعرك؟
_بالتأكيد، طبعًا أحب قصيدة “أنسولين” المنشورة في ديوان الكمين، وقصيدة “انفجار الصمت” في ديوان يويو.
16_لقد شدتني العناوين حقًا، ولكن أخبرني، ما المميز بهذه القصائد؟ هل هو إحساسها أم المناسبة التي كتبت من أجلها؟
_نعم، إحساسها، ولكل منها موقف وشدة كتبت فيها.
17_إذا قيل لك اختصر الحياة في بيت شعر، هل تختصرها أم تترك الشعر يتحدث عنها في قصائد لا متناهية؟
_نعم، أختصرها في بيت فصيح تذكرته من إحدى قصائدي:
إِنَّ الحَيَاةَ كَحَربٍ فَازَت تَارِكُهَا
فَاجْمَعْ رِحَالَكَ وَاهْجُر تُربَةَ الوَطَنْ
18_جميل، هذا البيت يستحق أن يكتب بماء الذهب. إذا، ما رأيك بدار نبض القمة للنشر والتوزيع؟
_دار نشر مجتهدة ترعى المبدعين وتقوم بعملها على أكمل وجه ممكن. نتمنى لها المزيد من الإزدهار.
19_في ختام هذا الحوار، كيف تقيّم هذه التجربة؟ وما رأيك بمجلة إيفرست الأدبية؟ وهل تود توجيه رسالة خاصة لها؟
_تجربة جميلة، وأسعدني الحوار معكم. مجلة إيفرست الأدبية اسم له صداها في الوسط الأدبي، دمتم رافعين لراية الأدب والثقافة، لكم كل الدعم والتوفيق






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب