بقلم/ يحيى القطب
في طفولتنا كنا نظن أن الكبار حكماء لأنهم كبار… ثم كبرنا، فاكتشفنا أن بعضهم لم يفعل شيئًا سوى أنه كبر.
العمر يا سادة ليس إنجازًا بحد ذاته، وإلا لكان الجميع عظماء بمجرد البقاء أحياء.
هذه الفكرة البسيطة، التي نضحك لها أولًا، لكن سرعان ما تتحول إلى سؤال ثقيل حين نتأمل ما نراه حولنا: ماذا يعني أن نعيش فعلًا؟ وهل الزمن وحده كافٍ ليمنح حياتنا قيمة؟
الدنيا، في جوهرها، دار اختبار وفناء. نموت فيها وتسحب من أيدينا ورقة الامتحان حين ينتهي الوقت.
أما الآخرة… دار حساب وخلود، نحيا فيها بحسب ما قدمناه من أجوبة في تلك الورقة.
هذا التصور لا يحمل قسوة بقدر ما يحمل عدلًا؛ فالإنسان لا يُحاسب على عدد الأيام، بل على وزن أفعاله فيها.
غير أن الفكرة الأكثر عمقًا تكمن في أن الموت لا يعني دائمًا الانقطاع الكامل، وأن بعض البشر ينجحون في تجاوز حدود الجسد والزمن.
قال النبي ﷺ: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
هذا الحديث الشريف لا يقدّم عزاءً روحيًا فحسب، بل يضع تعريفًا جديدًا للعمر…!
العمر هنا ليس مسافة زمنية بين ميلاد ووفاة، بل أثر ممتد بعد الغياب، كأن الحياة الحقيقية تبدأ عند النقطة التي يتوقف فيها الجسد، ويستمر فيها المعنى.
لهذا نرى أناسًا رحلوا في مقتبل أعمارهم، ومع ذلك ما زالوا أحياء في عقول البشر وضمائرهم.
علماء لم يُمهلهم الزمن طويلًا، لكنهم استثمروه بذكاء وشغف، فتركوا أفكارًا تجاوزت أعمارهم بمئات السنين.
الشافعي لم يعش طويلًا، لكن مذهبه ظل حاضرًا، يُدرّس ويُناقش ويُجدد، كأن صاحبه ما زال بيننا.
أبو القاسم الشابي مات شابًا، ومع ذلك لا تزال كلماته تُقرأ، وتُترجم، وتُستدعى كلما ضاق العالم على إنسان.
ليون فوكو، صاحب البندول الذي جعل دوران الأرض مشهدًا يُرى بالعين لا فكرة تُجادل بالعقل، مات في سن مبكر ولكنه ترك أثر علمي هائل…
في المقابل، عرف التاريخ أناسًا طالت أعمارهم، حتى أمِنوا ملاقاة الموت، فاستبدوا وظلموا وبنوا مجدهم على الخوف والدم.
جنكيزخان وستالين عاشوا طويلًا، لكنهم لم يضيفوا إلى الحياة قيمة، بل استنزفوا ما حولهم.
خلّفوا دولًا مكسورة، وشعوبًا مثقلة بالندوب، وذكريات لا تُستحضر إلا مقرونة بالألم.
هؤلاء لم يخلدوا بالمعنى النبيل، بل حُبسوا في صفحات التاريخ كعبرة قاسية، لا كقدوة.
هنا تتضح المفارقة: ليس كل أثر يخلّد صاحبه، فبعض الآثار تفضح حضارتها… الخلود أن يُذكر مقرونًا بخير أو معرفة أو معنى.
قد يبقى اسم الطاغية في الكتب، لكن بقاءه لا يشبه بقاء العالم أو المصلح أو الفنان. الأول يُذكر ليُدان، والآخر يُذكر ليُلهم.
من هنا نفهم لماذا يتحسر الشيخ إذا رأى فتى أنجز ما لم ينجزه هو في عمره الطويل. ليس حسدًا على الشباب، بل حزنًا على الزمن الضائع. الفتى يذكّره بحقيقة موجعة: المشكلة لم تكن يومًا في قصر العمر، بل في فراغه. الزمن كان متاحًا، لكن لم يُستثمر. والسنون مرّت، لكنها لم تتحول إلى أثر.
العمر الحقيقي لا يُقاس بكم قضينا، بل فيم قضينا، وما الذي بقي بعد أن مضينا. ما الذي سيظل يعمل بعد أن ينقطع عمل الجسد. فكرة نافعة، كلمة صادقة، علم يُتداول، أثر طيب لا يعرف صاحبه لكنه يعرف أثره. هذه هي العملات الوحيدة التي لا تفقد قيمتها بعد الموت.
وحين نصل إلى هذه النقطة، يتغير معنى الخوف. لا نعود نخاف من الموت بقدر ما نخاف من أن نموت دون أن نترك ما يستحق أن يُروى. فليس أخطر على الإنسان من أن تكون مسيرته طويلة، وسيرته قصيرة. لأن السيرة، في نهاية الأمر، أطول وأعمر من المسيرة.






المزيد
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم