مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الرضا

بقلم الدكتورة إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)

يُعدّ الرِّضا من أرقى المشاعر الإنسانية وأعمقها أثرًا في النفس، فهو حالة من السكينة الداخلية التي يعيشها الإنسان حين يقبل ما قسمه الله له، ويتعامل مع واقعه بوعي واتزان دون تذمر أو صراع داخلي. والرِّضا لا يعني الاستسلام أو التوقف عن السعي، بل هو فنّ التوازن بين بذل الجهد وبين قبول النتائج مهما كانت، مع الإيمان بأنّ لكل قدر حكمة، ولكل حدث معنى قد لا نراه في لحظته.

إنّ الإنسان بطبيعته يميل إلى التطلع لما هو أفضل، وهذا أمر طبيعي وصحي، لكن المشكلة تبدأ حين يرتبط الشعور بالسعادة بتحقيق شروط معيّنة فقط. فالإنسان الذي لا يشعر بالراحة إلا عند امتلاك شيء ما، أو الوصول إلى هدف محدد، يظلّ يعيش في دائرة المقارنات والقلق وعدم الاكتفاء. أما الراضي، فهو الذي يتعامل مع الحياة بوعي يسمح له بالإحساس بالجمال فيما بين يديه، دون أن يمنعه ذلك من الحلم أو الاجتهاد.

وفي علم النفس، يُعدّ الرضا أحد العوامل الأساسية للصحة النفسية. إذ تشير الدراسات إلى أنّ الأشخاص الذين يمتلكون مستوى مرتفعًا من الرضا يتمتعون بقدرة أعلى على مواجهة الضغوط، وبمعدلات أقل من الاكتئاب والقلق. فالرِّضا يمنح الإنسان قوة داخلية تجعله أقل تأثرًا بتقلبات الحياة، وأكثر قدرة على التعامل مع الأحداث الصعبة بروح متزنة.

الرِّضا ليس شعورًا لحظيًا، بل هو مهارة تُدرّب النفس عليها. فهو يبدأ بقبول الذات، بما فيها من نقاط قوة وضعف. فالإنسان الذي يقسو على نفسه، ويعيش في مقارنة دائمة مع الآخرين، يجد صعوبة في الوصول إلى حالة الرضا. أمّا من يتفهم طبيعته البشرية، ويسامح نفسه على أخطائها، ويقدّر جهوده مهما كانت بسيطة، فإنه يمهّد الطريق إلى سكينة أعمق.

وتتعمق قيمة الرضا أيضًا حين يفهم الإنسان أن ما يفوته لم يكن له، وما يصيبه لم يكن ليخطئه. فهذا الإيمان يخفف من شعور الندم المبالغ فيه ويحرر الإنسان من قيود الماضي. كما يساعده على رؤية الجانب المشرق في الأحداث، واستخلاص الدروس بدلًا من الغرق في الحسرة.

ولا يعني الرضا التخلي عن الطموح أو التوقف عن التخطيط للمستقبل؛ بل على العكس، هو يحرر الطاقة النفسية التي تُهدر في القلق، ويوجهها نحو العمل الهادئ الحكيم. فالإنسان الراضي يسعى لأنه يريد، لا لأنه خائف، ويجتهد لأنه مُدرك لقيمته، لا لأنه يشعر بالنقص.

وفي العلاقات الإنسانية، يظهر الرضا في قبول الآخرين كما هم، دون مبالغة في التوقعات. فالكثير من الخلافات تنشأ لأن الإنسان يريد من الآخرين أن يتصرفوا وفق ما يتصوره هو، لا وفق طبيعتهم. وعندما يخفف الإنسان توقعاته، ويمنح الآخرين مساحة ليكونوا أنفسهم، تقل الصراعات وتزداد السكينة.

وفي النهاية، يبقى الرضا نعمة عظيمة وكنزًا داخليًا. هو ليس حدثًا نصل إليه، بل طريق نسير فيه كل يوم، وعادة نربي بها قلوبنا، وهدوءًا نزرعه داخل أرواحنا لنحيا حياة أكثر عمقًا وامتلاءً.