مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الجرح الغائر لا يرى

Img 20240107 Wa0096

كتبت: زينب إبراهيم 

 

لا تحسب أنّ كسر الخاطر مثل كسر اليد؛ اليد تجبر والخواطر تبقى عليلة، فإن أردت التفوه بكلمة قبل أن تخرج من فمك عليك أن تحسبها جيدًا؛ لأن الكلمة إذا انبثقت لا تعود تارة أخرى أبدًا.

كانت تجلس على الأريكة تصارع دموعها؛ كي لا تنحدر على وجنتيها الصغيرتين، فجاءت والدتها وهي متحيرة من أمر صغيرتها بادرت بالسؤال: ما الذي يبكي صغيرتي؟

أجابتها وهي لا تود إحزان والدتها: لا شيء أمي إنني بخير لا تقلقي، فأردفت الأم قائلة: ألا تعلم عزيزتي أنه حينما يزعجها أمرًا ما أكن عالمة به قبلها؟

الفتاة ببراءة: أمي قلت لكِ لا شيء بي، فلما تكررين حديثكِ؟

أجابتها الأم بعدما أخذتها إلى كنفها؛ حتى تشعرها بالأمان وتدثر رأسها الصغير بين ثناياها: عندما كنتِ صغيرة ولا زلتِ كذلك في ناظري، كنت أرى أعينكِ الجميلة حينما تتشاجر مع ذاتها؛ حتى لا تبدي وهنها أمام أحد، لكن أدهش منكِ هل تخبئين حزنكِ عن والدتكِ التي تعتبرينها رفيقتكِ؟

أغلقت الفتاة عينيها قليلًا كانت تتذكر ما حدث وعن الحزن الذي أدمى فؤادها، فكانت تأمل أن يكمل إلى النهاية ذلك الأمل؛ لكنها آبى بالفشل كسائر أحلامها التي بنيتها على أملٍ أن يتحقق ذات يومًا، فقالت: لما لا تريد الحياة أن تعطيني بهجة مكتملة يا أمي؟ لقد سعيت وراء ذلك الحلم؛ حتى يكون حقيقة هو وغيره لم يصبح، إلا ذكرى في داخلي لم يخرج إلى العلن قط، أكان هين أن يحطم قلبي ويكسر خاطري بتلك الطريقة؟

نظرت لها الأم نظرة تحثها على الإستمرار دون توقف، فهي تود أن تخرج ما بداخلها جله؛ حتى تستطيع التخفيف ولو قليلاً عنها، فأكملت وهي تمسح بعض قطرات الدموع التي انسدلت على وجنتيها بعنف: أنا لا أحقد أو أمقت فرحة أحد، لكني أود أن أكمل مسيري ولا أرى ذلك اليأس من الإخفاق تارة الذي أراه يا أمي؛ فإنني لا أود أن أدثر أمنياتي وسط التراب، بل وأحكم عليها بالفناء قبل أن أعطيها فرصة أن تكون حقيقة لما يفعلون بي ذلك؟ لم أكن أتوقع ذاك الخذلان منهم؛ لأنني وثقت بهم، وشعرت أنني أستحق السعادة مرة واحدة في حياتي، وإن تلك المرة ستكون جلية وليست أوهام، وإن الذي أرسمه في مخيلتي الآن آن أوانه في البقاء على أرض الواقع؛ لكنني رطمت بخيبة أمل لأول مرة أصدق أن السعادة لم تكتب لي يا أمي، شعرت أن فؤادي جرح بألم غائر لا يرى؛ لكنه حدث ولأول مرّة أشعر به، إنه ثقيل للغاية أمي هل أنا المخطئة؛ لأنني تأملت أن يكون حلمي ذات مرة حقيقة، أم أنني أكملت في سبيل ليس لي، أم أنني لا زلت في البداية وذات يوم سيتحقق حلمي؟

هدهدت الأم على رأس طفلتها وقالت: إن ذلك الجرح الغائر الذي تتحدثين عنه وتشعرين به هو أولى خطواتكِ في الحياة يا صغيرتي، فليس معنى أنكِ فشلتِ أو أحدًا ما كسر ثقتكِ تكون النهاية لا؛ لأن من سمات الضعفاء الاستسلام في البداية لليأس الذي يجتاح خاطرهم حين الإخفاق، فعندما تفكرين في الانزاع؛ لذلك الشجن جراء ما تلقيته من خذلان الآخرين، فأنتِ لا تحظين بصفات القوة والعزيمة على النيل مما تودينه وإن كان مستحيلاً؛ لذلك عليكِ أن تكوني على قدر كاف من الإصرار، فإن فشلت تلك المرة بالتأكيد المرة القادمة؛ سأنجح وأتخطى ما مضى من حزن غائر ويأس عقيم، فأنا أعلم جيدًا ما دام هناك حلم بداخلكِ لن تسمحين له بالهلاك مطلقًا ريثما يتم بناء أحلام الآخرين أنتِ تصمّمين عشكِ الصغير الملئ بالأحلام؛ لأنكِ لستِ ضعيفة يا صغيرتي الجميلة، فلا تجعلين أي شيئًا يهدم عزيمتكِ وحلمكِ مهما حدث؛ لأنه يستحق أن يبرز للعلن ويكون حقيقة ملموسة، فإن فعلتِ عكس ذلك أنتِ لا تستحقينه.

نظرت لها الفتاة وهي تفكر فيما قالته وأردفت قائلة: أمي إن اللّٰه لا يكسر خاطري وإن ما حدث كان مقدر لي إن تأخر قليلاً أو لم يحدث أليس كذلك؟

اجابتها الأم وهي تبتسم: لا عزيزتي الغالية؛ لأن رب الخير لا يأتي، إلا بالخير لنا هو من يجبر بكسرنا إن تعرضنا له ذات مرة؛ أما ما نفعله في تلك الحالة نتضرع إليه، حتى يجبر ويرمم قلبًا لا يعلم بندوبه سواه؛ لذلك لا تفكرين أن خيبة الأمل تلك من ربكِ، والآن قومي إليه بالدعاء بما تريدينه؛ لأنه مجيب الدعاء ويسمع ما في قلبكِ وإن لم تتفوهي به، فإن لم يأتي إليكِ ما دعوتِ به؛ حينها إعلمي أنه ادخره إليكِ، أو قد يعطيكِ أفضل وأجمل مما دعوتي، أو يدفع به بلاء أو ضرر قد يلحق بكِ؛ أما تلك الدموع المتحجرة في مقلتكِ لا أود رؤيتهم ثانية، فأنا أحب أن أبصر صغيرتي ذات بسمة مشرقة وفؤاد بهيج لا يجرأ أن يتسلل الشجن إليها.

ابتسمت الفتاة وهي ممتنة لوالدتها أنها لم تتركها في حالتها الكاسفة تلك بمفردها، فكانت إلى جانبها دائمًا وأرشدتها إلى الطريق الصواب قبل أن يتمكن منها اليأس العليل الذي إن أدرك أحدًا أنهى عليه دون تردد أو سابق إنذار.