كتبت ملك برهان:
في كل مرة أبتسم فيها بينما يتكدس التعب في صدري، كنت أعلم أن العالم يظن أني لا أنكسر، ولم يكن يعلم أن كل ابتسامة تبتلع صرخة بداخلي، صرخة بلا صوت، محبوسة بين ضلوعي، تنتظر أن يرى أحد ما حجم العاصفة بداخلي.
كانت تُجيد إخفاء تعبها كما تُجيد ترتيب الأشياء في مكانها الصحيح؛ كل شيء يبدو هادئًا من الخارج، بينما الفوضى الحقيقية كانت تعيش في داخلها وحدها. لم تكن تشتكي كثيرًا، لا لأنها لا تتعب، بل لأنها اعتادت أن تكون الشخص الذي يتحمّل، الذي يُعتمد عليه دائمًا، وكأن قدرتها على الصبر تعني أنها لا تحتاج إلى راحة.
كانت الأيام أثقل مما تظهر عليه، انتقال مرهق من منزل إلى آخر، صناديق لا تنتهي، تفاصيل صغيرة تستنزف الجسد قبل أن تُستنزف الإرادة. مرض خفيف ظنّه الجميع عابرًا، لكنه كان يسرق منها طاقتها بصمت، وتعب نفسي بلا اسم، يضغط على صدرها كحجر ثقيل لا يتحرك.
كانت تتحرّك في البيت الجديد ببطء، تحمل شيئًا وتضع آخر، تتوقف أحيانًا لا لأنها انتهت، بل لأنها لم تعد قادرة على الوقوف أكثر. لم تكن تنتظر شكرًا، ولا اهتمامًا، لم تطلب سوى كلمة واحدة، جملة بسيطة تشبه الاعتراف: “تعبتِ اليوم، اجلسي قليلًا.”
لكن تلك الكلمة لم تأتِ.
في أحد الأيام، وبعد ساعات طويلة من العمل المتواصل، جلست لدقائق تحاول أن تستعيد أنفاسها. جسدها مثقل، وذهنها مرهق، وعيناها تحملان آثار السهر الطويل. عندها قيلت الجملة التي بقي صداها عالقًا في قلبها:
“ماذا فعلتِ أنتِ؟ طوال وقتك تجلسين.”
لم تُقل بغضب، ولم تُرفق بصوت مرتفع، لكنها كانت كافية لتكسر شيئًا عميقًا في داخلها. نظرت إلى يديها المتعبتين، إلى الغبار على ملابسها، إلى الصناديق المفتوحة حولها، وسألت نفسها بصمت: كيف لم يرَ أحد كل هذا؟
لم يكن الألم في الكلمات وحدها، بل في الإحساس المفاجئ؛ شعور بأنها غير مرئية، وأن جهدها لا يُحسب، وأن صمتها الطويل جعل الآخرين يظنون أن ما تفعله لا يُذكر.
وفي يومٍ آخر، لم يكن مختلفًا عن سابقيه، كانت منشغلة في المطبخ. يداها تعملان بلا توقف، الطهو، الترتيب، تنظيف ما خلّفه التعب، وذهنها موزّع بين ما تفعله وما تحمله في داخلها.
طُلب منها كوب من الشاي. طلب بسيط، عادي، لكنها في تلك اللحظة كانت مثقلة بكل شيء. قالت بهدوء، دون انفعال:
“أنا مشغولة الآن، انتظر قليلًا.”
لم تكن تعلم أن هذا “القليل” سيتحوّل إلى صراخٍ عالٍ، وأن صوتًا مرتفعًا سيحمل كلمات لا تُنسى. فجأة قيلت الجملة، حادّة، قاسية، وكأنها لم تخرج من شخص يعرفها:
“الآن رأيتِ لماذا لا أحبك؟
لهذا أنا لا أحبك، لأنكِ تتصنّعين، أيتها المعقّدة.”
تجمّدت في مكانها. لم تدافع عن نفسها، لم ترفع صوتها، لم تقل شيئًا. شعرت فقط بأن الكلمات سحبت منها القدرة على الكلام، وتركت في قلبها فراغًا واسعًا، كأن قطعة من روحها غادرت العالم معها.
مرت سنوات على تلك الجملة، لكن الزمن لم ينجح في محوها. ما زالت تذكرها كأنها قيلت الآن، بنفس الصوت، وبنفس القسوة.
منذ ذلك اليوم، صار السؤال يلاحقها بصمت:
هل أنا معقّدة فعلًا كما يقولون؟
هل صرتُ أشكّ في نفسي لأنني قلت “انتظر قليلًا”؟
ألهذه الدرجة صار التعب عيبًا؟
وهل أصبحت الطيبة تهمة تحتاج إلى تبرير؟
أقسمت بينها وبين نفسها أنها بدأت تشكّ في ذاتها، لا لأنها أخطأت، بل لأن الكلمات حين تأتي ممن نحب، تترك جروحًا لا يراها أحد، لكنها تغيّرنا ببطء.
اكتشفت أن الاستغلال لا يحدث فجأة، بل يتسلّل بهدوء، حين تصمت طويلًا، وحين تعتاد أن تضع نفسك أخيرًا، فيظنّ الآخرون أن هذا مكانك الطبيعي.
لم تتوقف عن أن تكون طيبة، لكنها بدأت تفهم أن الطيبة التي تُهمِل صاحبها ليست فضيلة كاملة، وأن التحمل الدائم لا يعني القوة. تعلّمت أن تعترف بتعبها، وأن تقول “لا أستطيع” دون شعور بالذنب، وأن تحمي قلبها دون أن تفقد إنسانيتها.
ربما سيبقى بعضهم يراها الأنثى التي لا تنكسر، لكنهم لم يروا الشقوق الصغيرة التي تركتها خيباتهم في داخلها. ومع ذلك، تعلّمت درسًا واحدًا لن تنساه:
يمكن للإنسان أن يبقى طيبًا، وأن يحافظ على نفسه في آنٍ واحد، لأن القوة الحقيقية ليست في تحمّل كل شيء، بل في معرفة اللحظة التي يجب فيها أن تتوقّف، حتى لا تفقد ذاتها وهي تحاول إرضاء الجميع.






المزيد
من يسمع صدى الأقلام
رسائل المحبة/ بقلم/ نازك حكيم
على درب الفكر تمضي الخطى بقلم/الكاتبة/ سعاد الصادق