مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

التغيّر بوصفه مسارًا غير مرئي

للكاتب / عمرو سمير شعيب

يشيع الاعتقاد بأن التغيّر الإنساني يحدث على نحو مفاجئ، كأنه قطيعة حادة مع ما سبقها، أو قرار طارئ لا تمهّد له أسباب واضحة. غير أن هذا التصور يغفل البعد الزمني العميق الذي يتشكّل فيه التغيّر الحقيقي. فالتحولات الكبرى في حياة الإنسان لا تولد في لحظة، بل تنضج عبر مسار طويل من الصمت، والاحتمال، وإعادة التكيّف القسري مع ما لا يمكن احتماله طويلًا.
في بدايات هذا المسار، لا يُدرك الإنسان أنه يتغيّر. ما يحدث يبدو أشبه بإرهاق مؤقت أو ضيق عابر، تُحيط به مبررات عقلانية وأخلاقية: الصبر قيمة، والتجاوز نضج، والاستمرار فضيلة. هكذا يُعاد تأويل التعب بوصفه مرحلة طبيعية، لا علامة إنذار. ويصبح تأجيل الانسحاب شكلًا من أشكال التعايش مع الخلل، لا نتيجة قوة داخلية بقدر ما هو خوف من الاعتراف بالفقد.
ومع الزمن، تبدأ الأسئلة المؤجلة في الظهور، لا بصفتها تساؤلات نظرية، بل كقلق وجودي صامت. أسئلة حول الجدوى، والمعنى، وحدود الاحتمال. هذه الأسئلة لا تُعلن نفسها في خطاب واضح، بل تعمل في العمق، محدثةً تصدعات صغيرة في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. ورغم ذلك، يستمر الأداء اليومي وكأن شيئًا لم يتغير، لأن الانهيارات الداخلية غالبًا ما تكون غير مرئية.
أما الخيبة، فهي لا تأتي بوصفها حدثًا واحدًا يمكن تجاوزه، بل كخبرة متكررة تفقد مع الوقت حدّتها الأولى. تتحول الخيبة من صدمة إلى نمط، ومن استثناء إلى بنية نفسية مألوفة. وفي هذه المرحلة تحديدًا، يكمن الخطر الأكبر: حين يصبح الاعتياد على الخيبة شرطًا للاستمرار، لا يعود الألم دافعًا للاعتراض، بل خلفية صامتة للحياة.
في نظر الآخرين، يبدو الإنسان في هذه الحالة متماسكًا، وربما ناجحًا في التكيّف. غير أن هذا التماسك الظاهري يخفي استنزافًا داخليًا عميقًا. فكمية الطاقة التي تُستهلك فقط للحفاظ على التوازن أكبر بكثير مما يُتصوّر. ومع كل محاولة جديدة للتأقلم، يتناقص الاحتياطي الداخلي للصبر، حتى يصل إلى نقطة لا يعود فيها الاستمرار ممكنًا دون خسارة الذات.
عند هذه اللحظة، يحدث التغيّر. لا بوصفه انفجارًا عاطفيًا، بل كقرار هادئ، شبه محسوم، يبدو مفاجئًا من الخارج، لكنه في الداخل نتيجة حتمية لمسار طويل. هنا لا يكون التغيّر اختيارًا مريحًا، بل أقل الخيارات إيلامًا، ومحاولة أخيرة لإعادة ترتيب العلاقة مع الذات قبل أن تستنفد بالكامل.
غالبًا ما يُساء فهم هذه اللحظة، لأنها تُقرأ بمعزل عن تاريخها. يُنظر إليها كقطيعة غير مبررة، أو تحوّل قاسٍ، أو انسحاب مفاجئ. لكن ما يغيب عن هذا الحكم هو أن القسوة الحقيقية لم تكن في القرار، بل في سنوات الصمت التي سبقته، وفي محاولات لا تُحصى لإنقاذ ما كان يمكن إنقاذه.
بهذا المعنى، لا يُعدّ التغيّر خيانة للماضي، ولا تنكرًا لما كان، بل اعترافًا متأخرًا بالحقيقة. إنه انتقال من منطق الاحتمال اللامحدود إلى وعي حدود الإنسان. ومن هذا الوعي، يولد التغيّر لا كفعل تمرد، بل كضرورة وجودية، وكخاتمة لمسار لم يره أحد، لكنه شكّل الإنسان بعمق.