مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

التسوّل في السينما

بقلم: يحيى القطب 

حين تبكي الشاشة… ويُضلَّل الواقع

هل بكيت يومًا أمام مشهد متسوّلٍ في فيلم؟

هل دفعتك تلك اللحظة إلى أن تُخرج ما في جيبك عند أول إشارة مرور؟

وهل سألت نفسك: هل ما رأيته على الشاشة هو ما يحدث فعلًا في الشارع؟

منذ عقود، لم تترك السينما العربية – والمصرية خصوصًا – قضية التسوّل، بل تناولتها مرارًا، لكنها لم تقدّمها على وجهٍ واحد، بل في صورٍ متباينة: مرةً مأساة تُبكي، ومرةً حيلة تُضحك، ومرةً فلسفة تُربك، ومرةً جريمة تُفزع. غير أن هذه الصور، على تنوّعها، لم تجتمع يومًا لتُكوّن الحقيقة كاملة، بل صنعت وعيًا ناقصًا، وربما مضلّلًا.

في بعض الأعمال، ظهر المتسوّل ضحيةً خالصة، كما في فيلم اليتيمتان للفنانة فاتن حمامة؛ طفلًا مسحوقًا أو إنسانًا دفعته قسوة الحياة إلى قارعة الطريق، كما في القصص التي ركّزت على اليُتم والتفكك الأسري.

وهذه الصورة – رغم إنسانيتها – زرعت في وجدان المشاهد قاعدة خطيرة: أن كل يدٍ ممدودة تستحق العطاء بلا تمييز.

وهنا تحوّلت الرحمة من فضيلة واعية إلى ردّ فعل عاطفي لا يسأل ولا يتحقّق.

وفي أعمال أخرى، اقتربت السينما خطوة من الحقيقة، فكشفت عن وجهٍ أشدّ قتامة: شبكات تستغل الأطفال، كما في فيلم العفاريت للفنانة مديحة كامل والفنان عمرو دياب.

شبكات تُديرهم كأنهم “رؤوس أموال”، وتحصي أرباحهم في نهاية اليوم. هذا التصوير كان صادمًا، لكنه – في الغالب – قُدّم كحالة استثنائية، كأنها انحراف نادر، لا نمط متكرر يتغذّى على عاطفة الناس وسذاجتهم.

ثم جاءت صورة ثالثة، أخطر من سابقتيها: المتسوّل الذكي، أو المحتال الظريف، الذي يكتشف أن التسوّل “مهنة سهلة” تدرّ ربحًا أسرع من العمل، كما قدّمه فيلم المتسوّل للفنان عادل إمام.

هنا لم يعد المشاهد أمام مأساة، بل أمام فكرة مغرية، حتى وإن قُدّمت في إطار ساخر. وهكذا، دون أن نشعر، قدّمت السينما التسوّل كخيار، لا كأزمة.

أما الصورة الرابعة، فهي الأكثر ابتعادًا عن الواقع: المتسوّل الفيلسوف، كما قدّمه فيلم الشحّات للفنان محمود مرسي، الذي يترك الدنيا طواعية بحثًا عن معنى أعمق للحياة.

ورغم عمق الطرح، فإن هذه الصورة تُجمّل الفكرة في الوعي العام، وتفصلها عن سياقها الحقيقي في الشارع، حيث لا مكان للفلسفة تحت وطأة الجوع والاستغلال.

وبين هذه الصور الأربع، ضاعت الحقيقة الكبرى التي نراها اليوم بأعيننا:

أن التسوّل ليس حالة واحدة، بل ظاهرة مركّبة؛ فيها الضحية، وفيها المستغل، وفيها المحترف، وفيها الجريمة المنظمة. وأن أخطر ما فيها ليس الفقر ذاته، بل ما ينشأ حوله من اقتصاد خفي، وعلاقات قوة، وتشوهات اجتماعية عميقة.

لقد نجحت السينما في أن تُشعرنا، لكنها لم تُعلّمنا كيف نفكّر. جعلتنا نبكي، لكنها لم تُرشدنا ماذا نفعل بعد البكاء. بل إن بعض معالجاتها – دون قصد – ساهمت في ترسيخ سلوكيات تُغذّي الظاهرة نفسها؛ إذ تدفع الناس إلى العطاء العشوائي، الذي قد يصل في النهاية إلى غير مستحقه، أو إلى من يديرون هذه المأساة من وراء الستار.

والأخطر من ذلك أن السينما لم تتناول بما يكفي الأثر البعيد لهذه الظاهرة: كيف ينشأ طفل الشارع وهو يرى المجتمع من أعلى وأسفل في آنٍ واحد؛ يرى من يلهو ويذهب إلى مدرسته، بينما يُدفَع هو إلى التسوّل.

ذلك التفاوت لا يخلق فقرًا فحسب، بل يزرع شعورًا دفينًا بالمرارة، قد يتحول مع الزمن إلى رفضٍ للمجتمع ذاته.

إن المشكلة ليست في أن نعطف، بل في أن نعطف بغير وعي. وليست في أن نُعطي، بل في أن نُعطي دون أن نعرف إلى أين تذهب أموالنا.

وهنا تحديدًا، كان ينبغي على السينما أن تتقدّم خطوة أخرى: أن تُفرّق بوضوح بين المحتاج الحقيقي، والمتسوّل المحترف، والشبكات التي تديرهم؛ وأن تكشف “رحلة المال” من يد المتبرع إلى وجهته الأخيرة؛ وأن تُقدّم نماذج للحلول، لا أن تكتفي بعرض المأساة.

فالسينما، بما تملكه من تأثير، ليست مجرد مرآة للواقع، بل صانعة للوعي. وإذا كان وعي الناس بالتسوّل قد تشكّل – جزئيًا – عبر الشاشة، فإن مسؤولية هذه الشاشة أن تُكمل الصورة، لا أن تتركها ناقصة.

في النهاية، يمكن القول:

السينما لم تكذب، لكنها لم تقل الحقيقة كاملة.

وقد يكون أخطر مشهد في فيلم عن متسوّل،

ليس ذاك الذي يُسقط دمعتك،

بل ذاك الذي يدفعك إلى اتخاذ قرار في الواقع،

دون أن ترى الصورة كاملة.