بقلم: يحيى القطب
في الأماكن المقدسة تبلغ العاطفة الدينية ذروتها؛ فالمصلّي أو الزائر يأتي بقلبٍ لينٍ يرجو الأجر والثواب، ولذلك يصبح أكثر استعدادًا للعطاء. غير أن هذه العاطفة نفسها تتحول أحيانًا إلى بابٍ واسعٍ للاستغلال.
فليست كل صدقة إحسانًا، وليست كل يدٍ ممدودة دليلَ حاجة!
فمن يزور المساجد الكبرى أو المزارات الدينية يلاحظ ظاهرةً لافتة: انتشار المتسوّلين عند الأبواب وفي الطرقات المحيطة بها، حتى يتحول المكان أحيانًا إلى ما يشبه سوقًا للتسوّل.
ولا شك أن الإسلام حثّ على الصدقة ورعاية المحتاجين، لكن المشكلة تظهر حين يُستشهد ببعض النصوص الشرعية استشهادًا غير دقيق لتبرير هذه الظاهرة.
ومن أكثر الآيات التي يُساء فهمها في هذا السياق قول الله تعالى:
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾.
كثير من الناس يظن أن هذه الآية تعني أن كل من مدّ يده بالطلب يجب إعطاؤه، أو على الأقل لا يجوز ردّه.
لكن التدبر في معنى الآية يبيّن أن المقصود النهي عن إهانة السائل أو إذلاله، لا إلزام الناس بإعطاء كل من يطلب.
فقد يردّ الإنسان السائل بلطف، أو يعتذر عن العطاء، دون أن يقع في النهر أو الإهانة.
والفرق كبير بين الإحسان إلى المحتاج الحقيقي، وبين الوقوع في فخ الاستغلال المنظم الذي أصبح اليوم صناعةً كاملة في بعض الأماكن.
تجربة شخصية
وأذكر حادثةً قديمة لا تزال عالقة في ذهني منذ الصغر.
كنت يومها لم أتجاوز الثالثة عشرة من عمري، وذهبت مع صديق إلى أحد المساجد الكبيرة التي يقصدها الزوار بكثرة. عند مدخل المسجد اعترض طريقي رجل يطلب الصدقة.
كان في نفسي يومئذ صدى قول الله تعالى:
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾،
فأعطيته شيئًا مما كان معي.
لكن الرجل لم يكتفِ بما أخذ، بل بدأ يطلب المزيد بإلحاح، ويصطنع حركاتٍ توحي بالتهديد، كأنه يراهن على صغر سني ليخيفني فأعطيه ما في جيبي كله.
رفضت، فتقدم نحوي مهددًا، فدفعته بعيدًا.
وفي تلك اللحظة ارتفع صوت المؤذن بالأذان…
وفجأة تغيّر المشهد كله.
الرجل الذي كان قبل لحظات يتقدم بجرأة، استدار وانصرف مسرعًا.
تذكرت فورًا الحديث النبوي الشريف:
«إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين».
فركضت خلفه وأمسكت به وسألته:
إن كنت تسمع الأذان، فلماذا تهرب؟ ولماذا لا تدخل المسجد للصلاة بدل الوقوف على بابه لطلب الصدقة؟
عندها تغيّر حاله تمامًا؛ انكمش على نفسه بعد أن كان قبل لحظات يحاول التهديد.
التفّ الناس حولنا، والغريب أن بعضهم تدخل ليمنعني من مطالبته بإعادة ما أعطيته له، رغم أنهم لم يتدخلوا حين حاول الاعتداء عليّ.
تركت الأمر ومضيت، لكن ذلك الموقف بقي في ذهني طويلًا.
بعد تلك الحادثة، تذكّرت مشهدًا طريفًا من فيلم سفير جهنم، حيث يظهر شحاذ يعترض طريق بطل الفيلم طالبًا صدقة، ثم يتبين لاحقًا أنه لم يكن مجرد شحاذ عابر، بل كان أحد أتباع الشيطان نفسه، وهو الذي دلّه على ضحيته!
وبطبيعة الحال، فالحياة ليست فيلمًا سينمائيًا، لكن المشهد يعبّر بسخرية عن حقيقة يعرفها كثير من الناس:
أن بعض من يقفون على أبواب الأماكن المقدسة لا يبحثون دائمًا عن الصدقة بقدر ما يبحثون عن أكثر القلوب قابليةً للاستغلال.
التسوّل في محيط المساجد
ليست المشكلة في وجود فقير محتاج عند باب مسجد؛ فهذا أمر عرفته المجتمعات عبر التاريخ. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول المكان المقدس إلى نقطة جذب لشبكات تسوّل منظمة، تجعل من تدين الناس نفسه موردًا للربح.
فالمكان الذي يقصده الناس للعبادة والسكينة لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة ضغط نفسي على المصلين والزائرين.
الأدهى أن هذه المشكلة لا تقف عند حدود التسوّل فقط، بل تتجاوزها أحيانًا إلى ثقافة شعبية تبرّر كل سلوك.
فبمجرد أن يظهر شخص بثيابٍ رثّة أو يتصرف تصرفات غريبة، يخرج من يقول:
“اتركوه… لعل له شأنًا عند الله!”
أو يزعم آخر أنه من “المجاذيب” الذين سقطت عنهم التكاليف.
وهذه فكرة لا أصل لها في الشريعة؛ فالتكليف في الإسلام لا يسقط عن الإنسان إلا بفقدان العقل. أما الادعاء بأن إنسانًا قد “رُفعت عنه الصلاة” أو أنه يعيش في مرتبة خاصة فوق الأحكام الشرعية، فذلك من الخرافات التي تسللت إلى الوعي الشعبي عبر العصور.
والعجيب أن بعض هؤلاء قد يترك الصلاة نفسها، لكنه لا يترك الوقوف على أبواب المساجد لطلب المال.
بين الصدقة والفوضى
الإسلام لم يترك أمر الصدقات للفوضى، بل شرع الزكاة ونظمها، وحثّ على الصدقات المنظمة التي تصل إلى مستحقيها الحقيقيين.
أما التسوّل العشوائي حول المساجد والمزارات، فهو في كثير من الأحيان استغلال للعاطفة الدينية أكثر منه تعبيرًا عن حاجة حقيقية.
ولهذا، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تعني قسوة على الفقراء، بل تعني حماية الصدقة نفسها من الاستغلال، حتى تصل إلى من يستحقها حقًا، لا إلى من يتقن استدرار العاطفة الدينية.






المزيد
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب
ثَمنُ الاختيار الخاطئ