بقلم الدكتورة/إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)
التأقلم ليس مجرّد كلمة تُقال للتخفيف، بل هو رحلة داخلية طويلة يقطعها الإنسان بين ما كان يتمناه وما فُرض عليه. التأقلم قدرة تنمو بداخلنا شيئًا فشيئًا، حين نكتشف أن الحياة لا تتوقّف أمام خسارة، ولا تُعيد ما رحل، ولا تمنحنا دائمًا ما نحب، فنضطر للاتّساع من الداخل كي لا ننكسر من الخارج.
التأقلم مع الوجع هو أول اختبار حقيقي لقوّة الروح. فالوجع لا يستأذن حين يدخل، ولا يرحل حين نرجوه، بل يمنحنا وقتًا كافيًا للتعرّف على أعماقنا. تعلّمنا الآلام أن نهدأ بدل أن ننفجر، وأن نُعيد لملمة أنفسنا في كل مرة نتشتّت فيها. ليس المطلوب أن نتظاهر بالقوّة، بل أن نُدرك أنّ الوجع مرحلة عابرة، مهما طال زمنها.
أما التأقلم مع البعد، فهو نوع آخر من الصبر؛ صبرٌ على المسافة، وعلى الفراغ الذي خلّفه غياب من اعتدنا وجودهم. البعد يُعلّمنا كيف نكون مستقلّين، وكيف نواصل المضيّ رغم النقص، وكيف نُعوّد قلوبنا على الصمت بدل العتب، وعلى التخفّف بدل التعلّق. هو درس قاسٍ، لكنه يمنحنا نضجًا لا يأتي من قربٍ مُرهق أو علاقة تُستنزف فيها الروح.
ثم يأتي التأقلم مع الفقد، وهو الأكثر ألمًا، لأن الفقد لا يُعوَّض. الفقد يغيّر شكل الروح إلى الأبد، لكنه لا يمنعها من الاستمرار. نتعلّم أن نحمل ذكرياتنا برفق، أن نُحب من رحل دون أن نسمح للغياب أن يهزم حياتنا، وأن نفهم أنّ الكون لا يتوقّف عند باب واحد، مهما كان عزيزًا علينا.
وتبقى كل هذه الأنواع من التأقلم طريقًا نحو النضج العاطفي. فالتأقلم لا يعني النسيان، ولا التبلّد، ولا قبول الألم وكأنه قدر محتوم، بل يعني أن نُعيد تشكيل أنفسنا وفق ما يحدث لنا، وأن نُمسك بزمام حياتنا رغم الجراح، وأن نختار أن نكمل، حتى عندما لا نشعر بالقوّة الكافية.
إن التأقلم هو فنّ تحويل الألم إلى حكمة، والغياب إلى مساحة للنمو، والفقد إلى نور هادئ يُضيء ما تبقّى من الطريق. هو قدرة الإنسان على الوقوف وسط كل ما كسره، والقول: ما زلت هنا… وما زلت أستطيع.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق