مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

البركة فيكم بقلم صهيب عبد الله  

البركة فيكم بقلم صهيب عبد الله

 

نياح بعيدٌ ومر ، يشبه صوت امراة لم تحزن من قبل

يتردد صداه في الحي ، لم أكن بعيداً من المقابر وكنت سأمر بها علي كل حال

عادة عندما يموت احد ، تكثر السيارات والمشيعون ويصبح عدم ملاحظتهم شيئا مستحيلاً حتي النساء داخل البيوت يعرفن ان هناك من مات.

ماهذا النياح المر ،ربما هم الاطفال يتشاجرون مجدداً ولكن كيف لطفل ان يبكي بهذة المراره التي تقطع القلب … الأطفال في مدينتي لايخافون القبور وهذا شيء اجده غريباً ، دائما ما يتخذون( الهشابة) اليابسة مقرا لعملياتهم

فتجدهم بعد رمي حقائبهم قرب الابواب يصفرون لكلابهم التي دربوها لصيد السحالي و السناجب والقطط وحتي الأرانب التي نادراً ما ينجحون في إمساكها .

يخرجون ليجتمعو تحت الشجرة

التي يقولون انها تظلل الأطفال فقط ..

 

حثثت خطاي لتأكد من الصوت المكلوم ؟

 

إذ بحلقة كبيرة من الأطفال تتوسط الطريق الترابي… يراقبون في صمت خاضع و مرير جرواّ صغيراً أبيضاً ،ناعم الفراء مغمضاً عينيه او يكاد ،في سكينة و كأنه راهب بوذي يلفظ أنفاسه الأخيرة وسط تلاميذه .

 

أما الصوت المكلوم فقد اختفي

إتكاء علي الشجرة بعد ان هدمه الحزن ،فلم يجد مُعزياً …

لم يستخلص حكمه لم يستطع ان يري وجه صديقه العزيز وهو يتألم حتي الموت، الذي يبدو محققا علي كل حال .

خصوصاً وأن سيارة تقل شباباً صاخبين دهسته .

يحاول الصغير ان يتخلص من الحزن الآن يريد جروه العزيز “سكر ” أن يقوم فيرجع معه

 

عرفت اسم الجرو من أصغر طفل والذي قطع صمت الإحتضار المهيب وأخذ

يرجوني ويشد علي يدي ببرائه ” ياعمنا عليك الله عالج سكر ” .

 

وقبل ان اجيب، عليه رد عليه أكبرهم الذي كان راكعاً قباله رأس الجرو يمسده

” الموت ماعندو دوا ”

 

ثم حمل الجرو برفق ومشي بين القبور نحو الشجرة حيث صاحبه مكور علي الارض و ينتحب

جميعنا تبعناه حتي بقية الكلاب التي كانت تركض بين قبر وآخر لحقت بأصحابها كان منظراً مهيبا وغريباً

عندما وصلنا قلت له :

لماذا تبكي؟ سكر سيجد الكتير من اللحم واللبن في جنة الكلاب الاتري انه يبتسم …

حملق الطفل في عيني بغضب و جلس يفكر.

وفجاءة مثل عداء خارق جرا حافياً والدموع في عينيه ..

ابتعد وتركنا في حيرة وغبار !!

بعد ان اختفي توقف سكر عن الحياة.

كل الاطفال ترحمو عليه وآخرون تصدقو بدمعتين او ثلاثة اقترح أحد الاطفال ان يدفن ” سكر “قرب ام صاحبه … ثم ساد الصمت المكان ..

 

قال اكبرهم. ” لا لا لالا ،هو براهو يالله يالله بسكت لمن يزورها دايرين تبقوها عليهو أتنين ”

 

وبعد نقاش طويل اختارو ان يدفنوه تحت الشجرة في المكان اللذي لطالما كان فيه سعيداً

حفرو له قبراً متقناً بالعصيان التي كسروها من الشجرة

كل واحد شارك في حفره حتي انتهي .

تولي كبيرهم وضعه الفقيد فيه وواراه الجميع بالتراب واخذو ينتحبون بهدوء حتي الكلاب الكبيرة شاركتهم النحيب.

لم استطع منع نفسي من مشاركتهم الحزن فقد عبرو عن فقدهم بصدق

قبل ان نخرج من المقابر

عاد صاحبنا يلهث وأثر الدموع الجافه مرسوم علي خديه، وعلي وجهه ابتسامه متكلفه وهو يحمل قطعه لحم وكيساً صغيراً من اللبن

 

وقال ” سكر وين اهه دا اللحم واللبن الدايرو هو ”

سكت الجميع وتحاشو النظر إليه .

صرخ بغضب مسعور ” فات الجنة الكلب دا صح ”

 

اقتربت الكلاب واخذت تحرك أذنابها بتملق حوله أغضبه هذا اكثر

حتي رمقني بنظرة تقدح شرراً

ظننت انه سيرمي في وجههي الكيسين ..

لكنه اكتفي بتركهما يسقطان بهدوء بجانبه وغاص في حزن عميق لدرجة انه لم ينتبه لحركة الكلاب وهي تتصارع في قطعة اللحم …

اقتربت منه وربت علي كتفه فحتضنني بقوة واخذ ينتحب قلت له: البركه فيكم الفقد واحد … .

 

ثم جاء الجميع يعزونه ..

 

البركه فيكم …

البركه فيكم …

البركه فيكم …