(الازدواجية)
بقلم الدكتورة/إسلام محمد
استشاريه الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتاب البحث عن الذات
الازدواجية سمة سلوكية ونفسية يعاني منها كثير من الناس في مختلف المجتمعات، وهي أن يعيش الفرد بشخصيتين متناقضتين؛ إحداهما يظهرها للعلن، والأخرى يخفيها في داخله. فالازدواجية تعني أن يقول الإنسان ما لا يفعل، أو يتبنى مبدأ في العلن بينما يخالفه في السر، أو يظهر الولاء والمحبة بلسانه فيما يضمر الكراهية والبغضاء في قلبه.
هذه الظاهرة باتت واضحة في حياة الناس اليومية، حيث تجد الشخص يتحدث عن القيم والأخلاق، لكنه في واقعه يتعامل بأنانية وغش. وقد ترى من يرفع شعارات العدل والمساواة بينما يمارس الظلم في بيته أو عمله. إنّ الازدواجية هنا ليست مجرد ضعف بشري عابر، بل هي انقسام داخلي يفرز تناقضاً بين الفكر والسلوك، ويؤدي إلى فقدان المصداقية والثقة.
تتجلى الازدواجية أيضاً في العلاقات الاجتماعية، فالبعض يُظهر الودّ أمام الآخرين، ويكثر من كلمات المجاملة والابتسامات، لكنه في الخفاء يسيء إليهم أو يفرح بسقوطهم. وهذا النوع من الازدواجية هو الأخطر، لأنه يزرع الشكوك ويفسد الروابط الإنسانية القائمة على الصدق والوضوح.
أما في المجال العملي والمؤسسي، فالازدواجية تظهر حين يطالب المسؤول موظفيه بالالتزام والانضباط، بينما هو أول من يخرق القوانين. أو حين يدعو القادة إلى النزاهة، وهم غارقون في مصالحهم الخاصة. وهذه الممارسات تجعل المجتمع يفتقد القدوة الحقيقية، وتؤدي إلى انهيار الثقة بين الأفراد والمؤسسات.
الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الازدواجية متعددة، منها الخوف من مواجهة الآخرين بالحقيقة، أو السعي وراء مصالح شخصية ضيقة، أو محاولة إرضاء الجميع ولو على حساب المبادئ. كما أن ضعف الإيمان بالقيم، وانعدام الشجاعة الداخلية، يجعلان الفرد يختبئ وراء وجهين، ظناً منه أنّ ذلك يحميه من النقد أو الخسارة.
غير أنّ آثار الازدواجية وخيمة، فهي تخلق إنساناً ممزقاً داخلياً، يعيش صراعاً بين ما يُظهر وما يُبطن، فلا يجد راحة ولا استقراراً. كما أنها تضعف الروابط الاجتماعية وتزرع الرياء والنفاق، فيتحول المجتمع إلى مسرح كبير تمثَّل فيه الأدوار لا الواقع.
الحلّ يكمن في المصالحة مع الذات، والجرأة على عيش القيم التي نؤمن بها دون تزييف. فالصدق مع النفس أولاً، ومع الآخرين ثانياً، هو السبيل الوحيد للتخلص من الازدواجية. ولا بدّ من تربية الأجيال على الشفافية وتحمل المسؤولية، حتى ينشأ جيلٌ واضح لا يعرف الأقنعة ولا التناقض.
وفي النهاية، فإنّ الازدواجية ليست إلا ضعفاً في الشخصية، وهروباً من مواجهة الحقيقة. والإنسان الصادق لا يحتاج إلى وجهين، لأنه يكتفي بأن يعيش على مبدأ واحد، مهما كان الثمن.






المزيد
حين يمسك الحبُّ بيدك… بينما تحترق ملامحك في صمتٍ لا يُرى بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
في غياهب الحنين بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
ثِقل البداية بقلم الكاتب هانى الميهى