مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

إعدام قاتل خلود.. هل تحقق العدالة المتأخرة ردعاً؟

بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)

في أكتوبر 2022، اهتزّ الرأي العام المصري على وقع جريمة مروّعة: شاب يقتل زميلته “خلود” بعدما رفضت الارتباط به. لم تكن الجريمة مجرد واقعة جنائية عادية، بل كانت صدمة مجتمعية أعادت إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يحقق نظام العدالة الجنائية الردع المطلوب؟

وبعد مسار قضائي امتد لسنوات، نُفّذ حكم الإعدام في أبريل 2026. أربع سنوات تقريباً تفصل بين لحظة الجريمة ولحظة العقاب؛ هذه الفجوة الزمنية ليست مجرد رقم، بل هي محور إشكالية عميقة تتعلق بعلاقة العدالة بالردع.

الوقائع ودلالاتها

تشير المعطيات إلى أن الجريمة وقعت في 17 أكتوبر 2022، وأن الحكم النهائي نُفّذ في 10 أبريل 2026. خلال هذه الفترة، مرّت القضية بمراحلها الطبيعية من تحقيقات وإحالة وطعون. من الناحية الشكلية، يتسق المسار مع ضمانات المحاكمة العادلة، لكن واقعياً، هل تظل العلاقة قائمة في وعي المجتمع بين الجريمة والعقاب بعد كل هذا الوقت؟ الإجابة في الغالب: تتآكل هذه العلاقة تدريجياً.

الإشكالية الجوهرية: التوازن المفقود

يقع الكثيرون في خطأ “الثنائية الزائفة” عند الحديث عن سرعة التقاضي:

1. سرعة القضاء ليست عدالة مطلقة: التعجيل المفرط قد يؤدي إلى إهدار حقوق الدفاع وقصور فحص الأدلة. العدالة ليست سباقاً زمنياً، بل عملية تدقيق تتطلب التحقق لضمان عدم وقوع خطأ قضائي.

2. بطء العدالة يُفرغ العقوبة من مضمونها: في المقابل، البطء المفرط يُضعف الأثر النفسي للعقوبة، ويعطي انطباعاً بأن الدولة “تلاحق” الجريمة بدلاً من “مواجهتها”. الردع يكمن في يقين العقوبة وسرعة تحققها، لا في قسوتها فحسب.

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

المشكلة تكمن في غياب التوازن المؤسسي، وفي عوامل إجرائية تؤدي لإطالة أمد التقاضي دون إضافة حقيقية لضمانات العدالة، ومنها:

• تعدد درجات التقاضي دون ضوابط زمنية صارمة.

• إعادة المحاكمات بشكل كامل بعد النقض.

• غياب التخصص القضائي في الجرائم ذات الطبيعة الصادمة.

رؤية لإعادة تصميم مسار العدالة

الحل لا يكمن في التضحية بالضمانات، بل في “هندسة” المسار القضائي للجرائم الجسيمة عبر:

• تخصيص محاكم للجرائم الصادمة: إنشاء دوائر متخصصة لجرائم القتل العمد والاعتداء على النساء والأطفال، تضم قضاة ذوي خبرة نوعية بمدد زمنية محددة.

• تقليل درجات التقاضي: الاعتماد على نظام الجنايات بهيئة موسعة، يليه طعن مباشر أمام النقض.

• تقنين الطعون وظيفياً: تحديد مدة إلزامية للفصل في الطعن (90 يوماً مثلاً)، وتوسيع صلاحيات محكمة النقض للفصل في الموضوع مباشرة لمنع إطالة أمد القضية بإعادتها لدوائر جديدة.

خاتمة:

قضية خلود هي نموذج كاشف لاختلال فلسفة العدالة الجنائية. أربع سنوات كفيلة بإضعاف الردع، والعدل الحق هو ما جمع بين الحسم والتثبّت. الطريق الأمثل ليس في تقليص الحقوق، بل في بناء نظام إجرائي ذكي يُدرك أن الزمن عنصر جوهري في تحقيق العدالة، لا مجرد إطار خارجي لها.