مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنا الميت الذي لا يُدفن بقلم محمد خطاب  

لم أعد كما كنت…

لا قلبي كما كان، ولا عيني ترى كما كانت،

أنا الذي سقطتُ من بين ضلوعي،

وما مدّ لي أحدٌ يده.

 

أعيشُ… نعم، لكن كمن يعيش خارج جسده،

كمن يراقب نفسه من بعيد،

يبتسم في الوجوه،

ويجهش بالبكاء بين ضلوعه.

 

هل جرّبت أن تموت كل يوم… دون أن يلاحظك أحد؟

أن تمشي على الأرض بثقل المقابر في صدرك؟

أن يُقال لك: “كن قويًا”،

وأنت بالكاد تتنفس من تحت الركام؟

 

أنا هنا…

لكنني لست أنا.

أنا ظلّ لرجلٍ انهار بصمت،

وانكسر دون صوت.

 

رحلوا…

وأخذوا معهم وجهي، صبري، وأغنيتي الأخيرة.

لم يتركوا سوى ضجيج الغياب،

وجدارًا كلما نظرتُ إليه… عاد وجعي من أوله.

 

أكتب لأنني لا أملك ما أفعله،

أكتب لأنني لو لم أكتب…

ربما انفجرت،

أو متُّ دون وداع.

 

كلّ شيء تغيّر بعدهم…

حتى دقات الساعة صارت تؤلمني،

حتى ضوء الشمس صار يلسعني،

حتى نفسي…

صرتُ أختنق بها.

 

يقولون لي: “ستتجاوز”…

لكن لا أحد قال كيف.

لا أحد أعطاني خريطةً للنجاة،

ولا حتى من تركني في المنتصف… وأكمل الطريق وحده.

 

أقسم أنني متّ مرارًا،

لكنّهم كانوا يطلبون مني أن أبتسم،

أن أقول “أنا بخير”

رغم أنني كنتُ أصرخ من الداخل:

“أنقذوني… فأنا أغرق”.

 

اليوم، لا أبحث عن الحب،

ولا عن العودة،

ولا عن إجابة واحدة لكل هذا الانهيار.

 

أبحث فقط… عن أنفاسي،

عن نسخةٍ مني… لم تتألم بهذا القدر.

عن قلبٍ لا يعرف كيف يُحبّ حتى يتهشّم.

 

لا تبحثوا عني…

فأنا لست هنا،

أنا هناك،

في الأغاني التي تبكي،

في الصور الباهتة،

في الرسائل التي لا تُرسل،

في الحروف التي ذابت قبل أن تُقال.

 

أنا الميت الذي لا يُدفن…

لأن حزنه أثقل من التراب،

وأعمق من أي وداع.