مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أغنية تحت المطر : بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

أغنية تحت المطر :
بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

الجزء الأول. البداية

كانت السماء تمطر بلا توقف، كأنها تشارك المدينة حزنها الخفي. في أحد الشوارع الجانبية، حيث تختلط رائحة الأسفلت بالماء البارد، وقف يوسف تحت عمود إنارة خافت، يحتضن معطفه ويستمع إلى وقع المطر وهو يعزف لحنًا حزينًا فوق الأرض.
لم يكن يوسف يحب المطر، لكنه كان يعود إليه دائمًا، وكأن بينهما اتفاقًا قديمًا لا يعرف تفاصيله. كلما اشتدّ عليه ضجيج الحياة، جاء إلى هذا المكان تحديدًا، في هذه الساعة المتأخرة، وكأن قلبه يعرف الطريق دون أن يسأله.
كان يحمل في جيبه دفتراً صغيرًا، أوراقه مهترئة، كُتبت عليها كلمات كثيرة لم تكتمل، ألحانٌ وُلدت ثم ماتت قبل أن ترى النور. يوسف كان موسيقيًا، أو هكذا كان يصف نفسه، لكنه في الحقيقة كان رجلًا يبحث عن صوتٍ يشبه روحه.
منذ سنوات، فقد كل شيء دفعة واحدة؛ الشهرة التي كان يحلم بها، الفرقة الموسيقية التي كانت عائلته، والأهم… هي.
ليان… الاسم الذي ما زال يطرق قلبه كلما سمع لحنًا حزينًا. كانت صوته حين يخونه الغناء، وملجأه حين تتكسر أحلامه. التقيا أول مرة في أمسية موسيقية صغيرة، حين عزف يوسف لحنًا مرتجلاً، فكانت ليان الوحيدة التي بكت.
قالت له يومها: “أغنيتك تشبه المطر… جميلة لكنها موجعة.”
ومنذ تلك الليلة، صار المطر شاهدًا على كل ما جمعهما. كانا يخرجان بعد كل حفل، يسيران تحت السماء الملبدة، ويغني يوسف لها بصوتٍ منخفض، كأن الأغنية سر لا يحق للعالم سماعه.
لكن الحياة لا تحب الاكتمال.
جاء ذلك اليوم المشؤوم، حين تلقى يوسف عرضًا للسفر والعمل خارج البلاد. كان العرض فرصة العمر، لكن ليان لم تكن مستعدة لأن تكون ذكرى. اختار يوسف الحلم، واختارت ليان الرحيل بصمت.
لم تتشاجرا، لم تصرخ، فقط قالت قبل أن تذهب: “إن عدت يومًا… ستجدني في الأغنية.”
سافر يوسف، لكن الحلم انكسر. لم ينجح كما توقع، ولم يجد نفسه هناك. عاد بعد سنوات، محمّلًا بالخذلان، وبقلب لم يعد يعرف أين ينتمي.
وفي تلك الليلة الممطرة، وأثناء شروده، سمع صوتًا أنثويًا يغني… صوتًا مألوفًا حدّ الوجع.
التفت ببطء، وقلبه يخفق بعنف، ورأى ظلّ امرأة تقف تحت المطر، تغني لحنًا يعرفه جيدًا… إنه لحنه، الأغنية التي لم يكتب لها نهاية أبدًا.
تقدّم خطوة، ثم توقّف، حين أدرك أن الماضي لا يعود بسهولة.

سؤال للمتابعين: هل كانت المرأة التي تغني هي ليان حقًا؟ أم أن المطر أعاد ليوسف صدى ذاكرته فقط؟ وماذا سيحدث حين يواجه صوته القديم؟