مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أغنية تحت المطر الجزء الثاني حين عاد الصوت بقلم عبد الرحمن شعبان سعد

أغنية تحت المطر الجزء الثاني حين عاد الصوت

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

تقدّم يوسف خطوة أخرى، والمطر يثقل كتفيه، كأن السماء تختبر قدرته على الاحتمال. كان الصوت يعلو ويخفت، يتلاعب به الهواء، لكنه ظلّ واضحًا بما يكفي ليوقظ جرحًا قديمًا لم يندمل.

توقفت المرأة عن الغناء فجأة. سكن الشارع لحظة، إلا من وقع المطر المتتابع. التفتت ببطء، وفي عينيها انعكاس الضوء الخافت، مزيج من دهشة وحنين وحذر.

قالت بصوتٍ متردد: — يوسف؟

لم يحتج إلى جواب. عرفها من نبرة الحروف، من الطريقة التي نطقت بها اسمه كأنها تحتفظ به منذ سنوات. كانت ليان… لكنها لم تكن كما تركها. أكثر هدوءًا، أكثر عمقًا، وكأن الزمن صقل ملامحها بدل أن يسرقها.

وقفا متقابلين، بينهما مسافة قصيرة، لكنها محمّلة بكل ما لم يُقل. لم يمدّ يده، ولم يقترب. قال فقط: — ما زلتِ تغنين؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت: — وما زلتَ تسمع؟

كانت الكلمات بسيطة، لكنها حملت ثقل السنوات. سارا معًا تحت المظلة القريبة من المقهى القديم. ذلك المكان الذي شهد أول لقاء، وأول لحن، وأول وعد.

جلسا متقابلين. طلبت ليان قهوتها كما كانت تفعل دائمًا، بلا سكر. لاحظ يوسف التفاصيل الصغيرة، وتذكّر كم كان يخشاها لأنها تعني أن الذكريات لم تمت.

قالت ليان، بعد صمتٍ قصير: — لم أكن أعلم أنك عدت.

أجاب بصوتٍ منخفض: — عدتُ لأن الأغنية لم تكتمل.

رفعت نظرها إليه، وفي عينيها سؤال لم تنطقه. قالت: — بعض الأغاني لا تحتاج نهاية… يكفي أنها عاشت.

أخرج يوسف دفتَره القديم، وضعه على الطاولة. فتحت ليان صفحاته ببطء، قرأت كلمات مبتورة، ألحانًا مرسومة بعجلة، وتوقفت عند صفحة كُتب في أعلاها: “أغنية تحت المطر.”

قالت بصوتٍ أقرب إلى الهمس: — هذه كانت لنا.

أومأ برأسه. — وكانت لي… ثم ضاعت.

تنفست ليان بعمق، وقالت: — لم أرحل لأنني لم أحبك. رحلت لأنني لم أحتمل أن أكون انتظارًا.

سقطت الكلمات بينهما كالمطر. لم يحاول يوسف الدفاع عن نفسه. فهم أخيرًا أن الأحلام حين تُطارد، قد تدهس من نحب دون قصد.

نهضا من المقهى. عاد المطر يشتد، وكأن السماء تُصرّ على سماع بقية الحكاية. قال يوسف فجأة: — هل تسمحين لي أن أكملها؟

توقفت ليان، نظرت إلى السماء، ثم إليه. قالت: — أكملها… لكن لا تجعلها وعدًا.

ابتسم بحزنٍ ناضج. أخرج هاتفه، شغّل لحنًا قديمًا، وبدأ يدندن. لم تكن أغنية كاملة، لكنها كانت صادقة.

وقفت ليان تحت المطر، وأغمضت عينيها، وبدأت تغني معه. صوتان التقيا من جديد، لا كحبيبين، بل كذكرى تبحث عن معنى.

لكن في أعماق يوسف، كان سؤال أكبر يتشكّل: هل يمكن للحب أن يعود بعد أن تغيّر أصحابه؟ أم أن الأغنية، مهما اكتملت، ستظلّ حبيسة المطر؟

 

سؤال للمتابعين: هل يكمل يوسف الأغنية ليعيد ليان إلى قلبه؟ أم يكتشف أن بعض الألحان خُلقت لتبقى ذكرى فقط؟ كيف تتوقعون نهاية “أغنية تحت المطر”؟