مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أغنية تحت المطر – الجزء الثالث (النهاية)

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

 

هدأ المطر قليلًا، كأنه منح المدينة فرصة لالتقاط أنفاسها، لكن قلب يوسف كان ما يزال غارقًا في الضجيج. وقف تحت الشرفة الصغيرة المقابلة للمقهى، واللحن الأخير يتردد في رأسه، ذلك اللحن الذي ظلّ ناقصًا لسنوات، لا لأن الكلمات لم تُكتب، بل لأن الشجاعة لم تكن حاضرة.

نظرت ليان إليه طويلًا، وكأنها تحاول قراءة ما لم يقله. قالت بهدوء: — أتعلم؟ حين رحلت، توقعت أن أنسى صوتك… لكنني اكتشفت أن بعض الأصوات تسكننا دون إذن.

ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة، لا تشبه ابتساماته القديمة، بل أكثر نضجًا وأقل اندفاعًا. قال: — وأنا ظننت أن السفر سيصنع مني إنسانًا آخر، لكنه أعادني إلى نفسي فقط.

سارا معًا نحو الشارع الذي يفضي إلى النهر. كانت الأضواء تنعكس على الماء، وكأن المدينة تكتب لحنها الخاص. توقّف يوسف فجأة، أخرج دفتَره، ومزّق الصفحة الأخيرة.

نظرت ليان بدهشة. قال وهو يرمي الورقة في سلة قريبة: — الأغنية لن تكتمل هناك. ثم أضاف: — النهاية لا تُكتب على الورق… بل تُعاش.

صمتت ليان لحظة، ثم قالت: — وهل نحن نهاية أم بداية؟

نظر إليها، لا بعين العاشق القديم، بل بعين إنسان تعلّم من الخسارة. قال: — نحن أغنية عاشت وقتها، وتركت أثرها. ولو حاولنا إعادتها، سنفسد صدقها.

أغمضت ليان عينيها، وسمحت للمطر الخفيف أن يلامس وجهها. حين فتحتهما، كان في نظرتها سلام لم يره منذ زمن. قالت: — ربما كنت أنت محقًا… بعض الأحلام لا تعود، لكنها تعلّمنا كيف نمضي.

اقترب يوسف خطوة، ليس ليعانقها، بل ليشكرها بعينيه. قال: — شكرًا لأنك كنت لحنًا جميلًا في حياتي.

ابتسمت ليان، ابتسامة وداع بلا ألم. ثم استدارت ومضت، بخطوات واثقة، لا تلتفت خلفها.

بقي يوسف واقفًا، يستمع إلى المطر، لكن هذه المرة لم يكن حزينًا. أخرج هاتفه، وبدأ يسجّل لحنًا جديدًا، مختلفًا، أكثر هدوءًا، أكثر صدقًا.

كانت أغنية جديدة، لا تُغنّى تحت المطر، بل بعد أن يتوقّف.

رفع رأسه إلى السماء، وتنفس بعمق، وعرف أخيرًا أن بعض النهايات ليست خسارة، بل نجاة متأخرة.

 

أتمنى تكونوا استمتعتوا معنا 🤍

سؤال أخير للمتابعين: هل تفضّلون النهايات التي تُغلق الأبواب بهدوء، أم تلك التي تترك نافذة صغيرة مفتوحة للأمل؟