حين يمرّ العمر من عنق الزجاجة
بقلم: د. أمجد حسن الحاج
لم يكن يخاف الفقر بقدر ما كان يخاف اللحظة التي يدرك فيها أن كل ما جمعه لم يكن له يومًا.
كان يركض، لا لأنه يريد الوصول، بل لأنه خُيِّل إليه أن التوقف يعني السقوط.
وفي الركض الطويل، تعلّم كيف يُقنِع نفسه أن الامتلاء غاية، وأن التراكم أمان، وأن الزمن يمكن خداعه بقليل من اللمعان.
كبرت أحلامه قبله، تشكّلت على هيئة أشياء لا تشبهه، أشياء تحتاج إلى عمرين لا عمرًا واحدًا.
كان يوقّع على أيامه دون أن يقرأ السطر الأخير، حيث كُتب بخط خافت: كل ما لا يُعاش… يُفقد.
لم يشعر بالفراغ وهو يتكوّن، لأن الضجيج كان أعلى من القلب.
كان يظن أن الامتلاء يعني الحياة، ولم ينتبه أن الحياة كانت تتسرّب منه في صمت،
قطعةً قطعة، لحظةً بعد لحظة، حتى صار عمره عنقًا ضيقًا لا يتّسع إلا للندم.
وحين التفت أخيرًا، لم يجد نفسه،
وجد حفرةً سوداء في داخله،
حفرة لا تمتلئ،
ولا تشبع،
ولا تُغلق.
جلس أمامها طويلًا، يحاول أن يتذكّر متى ضيّع أوّل يوم،
متى اختار الشيء بدل المعنى،
ومتى ظن أن النهاية بعيدة بما يكفي ليؤجّل السؤال.
لم يبكِ، لأن الدموع تحتاج قلبًا لم يستهلكه الحساب.
لم يصرخ، لأن الصدى كان أصدق من صوته.
فقط فهم، متأخرًا، أن بعض الأعمار لا تموت فجأة…
بل تُفرَّغ ببطء،
حتى يصبح الإنسان شاهد قبرٍ يقف فوق ما كان يومًا اسمه.






المزيد
في ليلةٍ يُفترض أن تُطفأ فيها الشموع، لا أن تُشعل ذاكرة الوحدة بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
بين يقين الليل وقلق النهار بقلم الكاتب هانى الميهى
مرافئ الشوق الأخير بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي