مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أعباء الوجود بقلم د. أمجد حسن الحاج

أعباء الوجود

بقلم د. أمجد حسن الحاج

 

ها هو الإنسان، ذاك الكائن الذي صيغ من طينٍ وروح، يقف عاريًا أمام ثقل الحياة، يحمل فوق كتفيه صخور الزمن، وأوجاع الأيام، وقيود الفكر، دون أن يجد لحظة استراحةٍ أو نفسًا هادئًا بين العواصف. إنَّ ما على ظهره ليس حجرًا، بل تاريخًا متراكمًا من الخيبات، وضجيجًا من الأحلام المؤجلة، وضغطًا من الأسئلة التي لا تنتهي.

هو منحنيٌ لا عن ضعف، بل لأن الصبر أثقل من الفولاذ، والسكوت أشد وجعًا من الصراخ. عيناه لا تبصران الطريق، لأن العبء قد غطّى الضوء، وجعل من الأفق جدارًا من الغموض. ومع ذلك، فبين قبضتيه قبس من إصرارٍ خافت، يشبه شعلةً صغيرةً في مهبّ ريحٍ عاتية، لكنها لا تنطفئ.

 

كلّ حبلٍ يشدُّ جسده هو وعدٌ لم يكتمل، كلّ حجرٍ على ظهره هو ذنبٌ لم يُغفر، كلّ خدشٍ على جلده هو ذكرى معركةٍ خسرها في صمت. غير أن في انحناءته كبرياءًا غريبًا، كبرياء من لم يستسلم رغم أن الأرض تناديه للسقوط.

هو يجثو لا خوفًا، بل احترامًا لما تبقّى فيه من حياةٍ تقاوم. يصغي لأنين داخله، كأنّه يسمع صدى البشرية كلها، تلك التي تمشي مثله، مثقلة بالهمّ، تبحث عن معنىٍ في زحمة الأثقال.

 

يا لهذا الجسد المنحوت من الإرهاق، كيف صار تمثالًا للإنسانية المتعبة! وكيف استطاع الحجر أن يحكي عن قلبٍ لم يعد يعرف سوى الصبر؟

وربما حين يسقط الحجر عن ظهره يومًا، لن يفرح، بل سيبتسم بحذرٍ، كمن فقد نفسه في الطريق الطويل، ولم يعد يعرف كيف يعيش خفيفًا بعد أن عاش دهورًا يحمل العالم على كتفيه.

 

ذلك هو الإنسان… كتلة من وجعٍ سامق، ومجدٍ منسي، وحلمٍ مؤجلٍ في قلبٍ صامتٍ لا يزال ينبض رغم الخراب.