مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أصعب ما كُلّفنا اسم الكاتب: هاني الميهى

اسم الكتاب: أصعب ما كُلّفنا

اسم الكاتب: هاني الميهى

الفصل الأول: حين يبدأ الامتحان

الجزء الأول

 

كان الصبر دائمًا أول أبواب الامتحان، لا لأنه الأصعب، بل لأنه الباب الذي لا يملك الإنسان رفاهية تجنّبه. إننا نواجهه قبل أن نتعلمه، ونُختبر فيه قبل أن نفهمه، وكأن الحياة تسحبنا إليه سحبًا، دون أن تستأذن خوفنا أو تعبنا أو هشاشتنا.

أدركتُ — بعد سنوات من الانكسارات الصغيرة — أن الامتحان لا يبدأ حين تقع المصيبة، بل يبدأ قبلها بكثير… حين يتقلب القلب من فكرة إلى فكرة، حين يضيق الصدر بلا سبب واضح، حين تُهدم التوقعات بصمت، وحين تشعر أن شيئًا ما ينزع من روحك جزءًا لا يُرى.

الصبر ليس قدرة على الاحتمال… بل اعتراف داخلي بأن ما نخشاه قد وقع فعلًا، وأننا مطالبون أن نواصل الطريق رغم كل شيء. هو تلك اللحظة التى تدرك فيها أن الألم صار حقيقة، وأنك مهما حاولت الالتفاف حوله… ستجده واقفًا أمامك، ينظر إليك بثبات لا يرتجف.

إن أصعب ما في الصبر… أنه يضع الإنسان أمام نفسه بلا ستائر.

يجرده من كل ما اعتاد أن يختبئ خلفه:

من حججه القديمة،

من قوته المتصنّعة،

من تفكيره الذي كان يظن أنه متماسك.

الصبر ليس بطولة، بل مساحة مكشوفة بينك وبين الألم.

إذا قبلتها… نجوت.

وإذا أنكرتها… سقطت قبل أن تبدأ.

كم من مرة حاول الإنسان أن يقنع نفسه أنه قادر على الاحتمال، لكنه حين تواجه مع أول ارتجاج في قلبه، اكتشف أن الكلام سهل… وأن الثبات مرّ، وأن الوقوف على قدميه يشبه الوقوف فوق زجاج مكسور.

نعم… الصبر امتحان بلا إعلان.

يأتي فجأة، ويجلس في منتصف الطريق، ويجبرك أن تسير معه لا أن تمرّ بجانبه.

وكلما حاولت الهرب… ازداد اتساعًا.

ربما لهذا قالوا إن الصبر “تكليف”، لأنه ليس خيارًا، بل ضرورة تُلقى عليك كما تُلقى الحجارة في صدر الماء… يحدث اضطرابًا أولًا، ثم يبدأ الهدوء في الظهور شيئًا فشيئًا، فقط حين يتقبل الماء أن ما وقع… قد وقع.

ولأن الامتحان يبدأ من الداخل قبل الخارج، فإن أول من ينهار ليس الجسد… بل الصوت الذي بداخلنا. ذلك الصوت الذي يهمس:

“لن أستطيع.”

ويكررها حتى يصدقها الإنسان.

لكن الحقيقة التي تعلمتها بعد معارك صامتة، هي أن الضعف ليس عيبًا، وأن الاعتراف بالتعب ليس خيانة للصبر.

الصبر لا يطلب منك أن تكون من حديد، بل يطلب منك أن تكون صادقًا أمام نفسك.

أن تقول:

“أنا متألم… لكني لن أهرب.”

“خائف… لكني سأكمل.”

“ضعيف… لكني واقف.”

الصبر ليس صلابة… الصبر مرونة.

ليس قوة… بل دوام.

ليس انتصارًا سريعًا… بل بقاء طويل.

ولأن الله اختار الصبر تكليفًا، جعل فيه من الحكمة ما يكفي لتغيير وجه الإنسان. بعض الناس يخرجون من الألم كما دخلوا، وبعضهم يخرجون أعمق، أنضج، وأكثر معرفة بأنفسهم.

والفرق بينهما ليس حجم الألم… بل حجم الصبر.

وفي كل مرة كنت أظن أني وصلت نهايتي… كنت أكتشف أن داخلي مساحة لا أعرفها، مساحة لا تنفتح إلا حين يشتد الاختبار، وكأن الإنسان لا يرى حقيقته إلا عندما ينقلب العالم من حوله.

هكذا يبدأ الامتحان…

لا بضربة القدر،

بل بالارتجافة الأولى داخل القلب.

 

#أصعبماكُلّفنا

#هاني_الميهى