كتب: زياد مجدي
يتم تنفيذ الأحكام عادة علي الإنسان عندما يخطئ، فتكون هناك محاكمة يتم فيها الحكم عليه على حسب خطئه هذا منطقي جدًا، ولكن ماذا إن أخبرتك أنه في أحد الأيام تقدَّمت مجموعة كبيرة من الناسِ ببلاغ لمحكمةِ المدينة في الطماطم، نعم أقصد ذلك النوع من الخضروات الغني عن التعريف والأغرب من ذلك هو قيام القاضي بالإستجابة لذلك البلاغ، وأمر بإقامةِ المحاكمة بالفعل.
أمر غير منطقي بالمرة، ولكنه حدث بالفعل في مدينة اللا منطقية مدينة “سالم” الأمريكية الموجودة بولايةِ نيو جيرسي تلك المدينة المشهورة بأحداثها الغريبة عبر التاريخ، فمن ضمن هذه الأحداث تلك التي حدثت عام ١٦٩٢م حينما حاكمت محكمة المدينة ٢٠٠ شخصًا بسبب ممارستهم لأعمالِ السحر والشعوذة، وبل وحكمت المحكمة على ٢٠ من ضمن المائتين بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم عليهم، وبعد عدة السنوات إعترفت المحكمة بأنها كانت خاطئة في تلك المحاكمة! واعتذرت لأسر الضحايا الذين ذهبت أرواحهم هباءًا وقامت بتعويضهم!..
لذلك لا تتعجًّب عندما أخبرك أنه تم تقديم الطماطم للمحاكمة بتهمة تسميمها لمعظم ساكني البلدة!
بدأت الحكاية قبل خمسمائة عام من الآن، أي بعد وقتٍ قصيرٍ من معرفة دول الغرب للطماطم، وحينها كانت معروفة بأنها فاكهة تُستعمل للزينة فقط، وليس بغرض الطعام كما هو متداول الآن، وكان السبب في ذلك هو لونها الأحمر الذي كان في أساطير الغرب دليل على تواجد الخطر في الطبيعة المحيطة لذلك أصبحت الطماطم من الخضروات الغير مفضلة، بل والسامة لساكني الغرب من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر تقريبًا وأثناء هذه الفترة ظهر بعد العلماء بنظريات اختلقوها ليُأكدوا أسطورة الطماطم السامة، وفسر نظريته قائلًا أن الطماطم تحتوي على مستويات منخفضة من مادة سامة تسمى “توماتين”
إستمرَّت تلك الأسطورة في النمو، وما جعل الناس يصدقونها ويؤمنون بها هو موت مجموعة كبيرة من أغنياء الدول الأوروبية نتيجة التسمُّم من الطماطم، حتي جاء عام ١٨٢٠م وهنا إكتفى العالم من جرم الطماطم وما تفعله من جرائم في الإنسان، فقرروا أن يتقدموا ببلاغٍ ضد الطماطم، وكان أول من فعل ذلك هم أهل بلدة سالم الأمريكية، لتبدأ إجراءات المحاكمة ضد الطماطم البريئة من جهل الإنسان.
أجمَّع الكل على جُرمِ الطماطم، وصدَّقوا تلك الأسطورة، ما عدا شخص واحد فقط، وهو مزارع بسيط يُسمى “روبرت جيبون جونسون” والذي رفض تصديق كل هذه الأكاذيب، وحاول بكل ما يملكه من قوة ومعرفة إثبات الحقيقة، ألا وهي براءة الطماطم وأنها ما هي إلا نوع من الخضروات المفيد جدًا للإنسان لذا بدأ يبحث عن سببٍ منطقي للتسمم الذي يحدث بعد أكلِ الناس للطماطم، وتوصَّل أخيرًا للسبب، وهو الأطباق التي يستخدمها الجميع في الأكل، حيث كانت تلك الأطباق مصنوعة من معدنٍ يُسمي”البيوتر” فعندما تتلامس الطماطم مع سطح تلك الأطباق، يتفاعل الرصاص السام الموجود في معدن البيوتر مع التركيب الكيميائي الداخلي للطماطم مما يُسبِّب حالات التسمم والوفاة التي تحدث وبالتالي أثبَّت أن الطماطم ليست سامة، ولن تقتل مَن يأكلها مادامت بعيدة عن تلك الأطباق المصنوعة من البيوتر.
بعدما نجح روبرت في إثبات تلك الحقيقة، تبقَّت معضلة واحدة فقط، ألا وهي إقناع الناس بما توصَّل إليه، فحاول جاهدًا فعل ذلك ولكن لم يصدقه أحد وقتها، وأصرَّ الناس علي إقامة تلك المحاكمة، فسايرهم روبرت في قرارهم، ولكنه طلب من الجميع زراعة الطماطم حتى يأتي يوم المحاكمة، ويأتي كل منهم بمجموعة من الطماطم حتي يجمعهم روبرت في سلة كبيرة لأجلها أمام الجميع في المحكمة ليثبت أن أمر الطماطم السامة ما هي إلا أسطورة مزيَّفة.
جاء يوم المحاكمة وإنتظر الجميع بشغفٍ رؤية المزارع روبرت وهو يموت بعد أن يأكل تلك السلة الكبيرة المملوءة بالطماطم، ولكن قبل أن يبدأ بأكلِ أول قطعة من السلة، قال عدة كلمات مُوجهًا كلامه للعامة: سيأتي الوقت الذي تكون فيه هذه الطماطم الحمراء الفاتنة الغنية بالفائدة لذة للعين ومتعة للفم وسوف تشكل أساس حقول كثيرة” سيأتي الوقت الذي تكون فيه هذه الطماطم الحمراء الفاتنة الغنية بالفائدة لذة للعين ومتعة للفم وسوف تشكل أساس حقول كثيرة” ثم بدأ بالأكل، وأنهي بالفعل جميع الطماطم الموجودة بالسلة دون أن يحدث له أي شيء، لينهبر الجميع من عدم وفاته التي كانوا يتوقعونها كما حدث مع الكثير من قبله.
أُعتُبر ذلك اليوم نقطة تحوِّل كبيرة في تاريخ الطماطم، وإنهدمت تلك الأسطورة في عقول الناس والتي إستمرَّت لعقودٍ كثيرة، فقد بدأت الحقول تمتلئ بمحاصيل الطماطم بإعتبارها شيء أساسي في طعامهم، وإنتشرت بصورة كبيرة جدًا وكأنها لم تكن يومًا ما سامة أو مضرة.






المزيد
الحكمة ثم العلم
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي