حوار: عفاف رجب
من منا لم يفخر بلغته وهو يقرأ قول المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وها هي أم كلثوم تردد في فنيات الزمن الجميل:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوىٰ عليك نهي ولا أمر
أم ترى إلى امرئ القيس وهو يدوي مرددًا:
مكر مفر مُقبل مُدبرٍ معًا كجلمود صخرٍ حطه السيلُ من علِ
إنه مفخرة الأزمنة وورث الأجداد آلا وهو: الشعر العربي الخالد، وبما أن الشعر من رحم الأدب وهذا الأخير من رحم الأم لغة الضاد؛ والذي يمتاز بالمرونة والتكيف مع تطورات الحضارة، فهو ليس منوط بتعريف ثابت جامد، بل هو مرن يتكيف بتغير الشعراء وبيئتهم وشخصيتهم، فجئنا إليكم اليوم مع شاعرٍ تردد قصائده بين المحبين للشعر.
وضيفي هذه المرة هو الشاعر والمُبدع “أحمد عبدالنبي محمد علي” المعروف بين جمهوره بـ “أحمد وشاحي”، يبلغ من العمر الـ26 ربيعًا، مواليد مدينة رأس غارب بمحافظة البحر الأحمر، يُجيد كتابة وإلقاء الشعر العامي، يستمع إلي هشام الجخ والأبنودي، يقرأ للمتنبي وغيره من الشعراء، فلمَ لا تأتوا معي لنتعرف على هذا المُبدع أكثر.

_بداية الغيث قطرة؛ فمن أين بدأت غيث الشاعر، حدثنا عن هذا الجانب وهل تحدد مواعيد لها، أم هي موهبة فطرية؟
كانت موهبة فطرية ولكن بدأت من 20/7/2019، حيث جاء الموضوع صدفةً في بداية مشواري عندما وجدت إقبال من بعض أفراد عائلتي وأصدقائي في تشجيعي على الاستمرارية وحينها قررت الاستمرار وإكمال الطريق.
وكان أول عمل ليّ هو عمل قصيدة لصديقي الشهيد البطل: أحمد محسن عبدالسلام، وحينها قررت عدم الاستمرار وجدت الدعم من كل من حولي في الاستمرار والتطوير من نفسي.
_لمَ قرر الكاتب أن يكتب الشعر في بداية مسيرته؟ وما الذي وجد فيه ولم يجده في أي فن آخر؟
قررت كتابة الشعر وبالأخص الشعر العامي؛ لأنني وجدته أكثر فن يمكنه أن يلمس قلوب الناس به، والتحدث عن سلبيات وإيجابيات المجتمع، وجدت في الشعر التعبير عن كل ما بداخلي بكل بساطة والحديث عن أي شيء بشكل بسيط ومفهوم للجميع.
_ماذا أعطاك الشعر؟ وما أخذ منك؟ أم أن الشعر دائمًا يعطي ولا يأخذ؟
أعطاني القدرة على عدم الكتمان بداخلي والبوح بأي شيء بطريقة ما سواء كنتُ حزينًا أو سعيدًا، وبالطبع أخذ مني بعض الوقت وبعض التقصير مع من حولي.
_بمن تأثر الشاعر من الشعراء، ولمن يقرأ الآن؟
تأثرت بالشاعر الكبير هشام الجخ، ولكن تأثرت أكثر بالشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي -رحمة الله عليه- والقراءة له من حيث الواقعية في قصائده عن العصر الحالي، فأنا أميل أكثر للواقعية في القصائد.
أما الآن أقرأ للشاعر المتنبي والأبنودي.
_الشاعر أحمد وشاحي.. لكل شاعر شخصية معينة أحيانًا تطفو لتحلق فوق كل حرف من أحرفه، وأحيانًا تتوارى شخصيته الحقيقية بين السحاب خلف لون الكتابة.. فكيف تميز بينهما؟
أميز بينهما بأنني أحب التعامل بطبيعتي في كل مكان فيما معناه أفضل الفصل بين كوني الشاعر وشخصيتي العادية ولا أحب الإختلاط بينهما في أي شيء.
_هل واجهت بعض الصعوبات في بداية مشوارك الأدبي، وإلي أي مدى سببت كتاباتك مشاكل لك إن وجدت؟
وجدت بعض النقد الذي جعلني أصاب بالإحباط الشديد في بداية مشواري، ولكن صديقي المقرب لي “مصطفي عبدالحافظ” هو من جعلني أخرج من تلك الأزمة، وتفاجئت فيما بعد بحفلة خاصة لي من حزب المصريين ودعمي وتشجيعي على البقاء والاستمرار في الكتابة، وكانت أكثر المشاكل التي واجهتها هي عندما تحدثت بواقعية أكثر عن مشاكل الشباب والمجتمع.
_كيف تعرف منطلقات الكتابة عندك؟ هل هو مجرد إحساس أم اشتغال على الشخوص والأحداث والمكان؟
منطلقات الكتابة تخرج من الأحداث التي أتواجد بها حينها يتواجد الإحساس ومن الممكن الكتابة في أي وقت وعدم التأثر بطبيعة المكان.
_ما هي أهم الأعمال الصادرة لك، وهل من أعمال جديد على وشك الإصدار؟
أهم أعمالي هي: قصيدة “أبويا واحشني”؛ فهي لها عدة أجزاء، والمفضلة لدي لإخراج ما بداخلي من ألمي لفراق والدي.
تتحدث فيها عن والدي -رحمة الله عليه-، وعن بعض الأحداث التي عشتها معه، وعن الاب بشكل عام عن كم معاناته وشقائه في الحياة لتوفير حياة كريمة لجميع أفراد الأسرة وعن تضحياته.
_وإليكم اقتباس من القصيدة:
أبويا في كل ليلة استناك
ليه ياحج مبتجيش
والله وحشتني رؤياك
الدنيا وقفت من بعدك ومبتمشيش
اشتقت لما كنت على أول الشارع بتلقاك
واول ما تشوفني تاخدني بالحضن
يااااه ياابويا في لحظه عدت السنين
بس لسه بشوف خيالك في الشوارع وفي كل ركن
وكل ما تعدي قصادي تبكي لوحديها العين
بالإضافة إلى أعمال متنوعة عن الأخلاق، وكيفية التعامل مع الزوجة، وعن فضل الأم، وعن الإخوة، وعن الشهداء، وعن المخدرات والتوعية، كما يوجد الكثير من الأعمال الجديدة.
_جاء إلينا من أحد المتابعين تهنئة خاصة للشاعر “أحمد وشاحي” عن تعاقده الجديد، وبعض الأسئلة:
*علمنا أنه تم تعاقدك مع دار نبض القمة، فكيف جاء تعاملك مع الدار، وما مضمون العمل؟
جاء موضوع التعاقد مع دار نبض القمة عن طريق دكتور “وليد عاطف حسني” الرجل الذي لا يكل ولا يمل في دعم المواهب الصاعدة، ويقدم الكثير في إظهارها، رجل يعجز اللسان عن شكره، واختياري لدار نبض القمة بالأخص للشعور بالتواجد العائلي داخلها والدعم الحقيقي برغم من كونهم منافسين إلا أنهم بينهم أُلفة وترابط دائم، وحب الخير بعضهم لبعض.
مضمون العمل؛ عبارة عن ديوان شعر عامي، وهو يجمع القصائد المتنوعة التي تتحدث عن مشاكل المجتمع، وعن الفراق، وعن الأخلاق، وعن فضل الأم، وعن المخدرات وبه كثير من النصايح والمواضيع التي تلمس المجتمع بشكل عام.

*هلا حدثتني وبشكل مُبسط عن شعورك عندما تم اختبار ديوانك بأن يتم نشره، وكيف كان التعامل من قِبل دار نبض القمة؟
كنت سعيدًا جدًا أن أخيرًا شعرتُ للحظة أنني صعدتُ على أُولى سلالم النجاح، وشعرت بالفرحة أكثر عندما نالت قصائدي إعجاب الدكتور وليد عاطف.
التعامل من قِبل دار القمة شعرت معهم أنِّي بين أفراد عائلتي وليس فريق عمل ومنافسين؛ فهم يجيدون فن التعامل مع الجميع، وبالرغم من وجود كم من الضغوطات على فريق العمل إلا أنه لا يوجد أي تقصير في أي شيء.
*كيف ترى قائد ورئيس مجلس إدارة مجلة إيڤرست الأدبية الصحفي “وليد عاطف”؟
أرى دكتور وليد؛ شخصية إجتماعية جدًا، وشخص يجتهد ويسعى دائمًا لإثبات ذاته، وأنه استطاع تكوين فريق من المواهب المتنوعة وإظهارها للعلن، وكان سر ذلك النجاح هو تواضعه الدائم مع الجميع، ومتابعة كل شيء بنفسه، وتكوين فريق عمله نال احترام وتقدير الجميع.
والسر الآخر أنه يوجد العدل في جميع المنافسات، وهو من أكثر الأشخاص الداعمة ليّ، وتكريمه ليّ في مكان عملي كان أكبر دافع ليّ في الاستمرارية بالرغم أن موقع عملي يبعد عنه بِـعشر ساعات سفر ورغم ذلك قام بتكريمي، ومهما تحدثت عنه لن أوفيه حقه، وهو أيضًا من شجعني على عمل أول ديوان وساعدني في الكثير.
وفي الأخير أتمنى له ولفريق العمل بالكامل مزيد من التقدم والازدهار والنجاح وأتوجه له بكل الشكر والتقدير والاحترام.

_للقصيدة مأزقها ومكائدها ومضائقها وكمائنها أيضًا، هل يستطيع الشاعر النجاة من هذه المكائد والكمائن دائمًا؟
في بعض الأحيان؛ لأنه يوجد بعض القصائد بها حزن شديد يخيم علي القلب والعقل ويكون بها إحساس شديد سواء من الفرح أو الحزن، فبذلك لا يمكن النجاة من كل المكائد والكمائن.
_بالنسبة لك؛ ما هي صفات الشاعر الناجح، أو ما هي المعايير الواجب توافرها لدي الشاعر، وهل تفضل صاحب الكلمات العميقة أم البسيطة التى تجذب القارئ أكثر؟
صفاته أولًا: شيء الإلتزام دينيًا، لأن بهذا سوف يكون على وعي شديد في اختيار المواضيع وانتقاء الكلمات، لأنها في عصر السوشيال ميديا تلك المواضيع والكلمات تدخل كل بيت، فيجب اختيار المواضيع والكلمات المناسبة.
ثانيًا: يكون يمتاز بالتواضع وعدم التكبر.
ثالثًا: السعي وعدم التوقف والتواصل دائمًا مع الجمهور.
أُفضل النوعين في الكلمات معًا بالقراءة ولكن على حسب مضمون الموضوع.
_هل تعتقد أن وسائل التواصل نعمة أو نقمة على الإنسان بعامة؟ وكيف خدمت أو أساءت للمواطن بشكل عام؟
نعمة في الاستخدام الصحيح، والتقرب بين الأشخاص، وسرعة التواصل في جميع المناسبات، ونشر الوعي، والفكر الديني، والفكر الحضاري بشكل أسرع، ونقمة في الاستخدامات السيئة مثل ما نلاحظه هذه الأيام من انعدام أخلاق في تداول بعض الفيديوهات السيئة على بعض المواقع.
_يقول الشاعر لويس أَراغون “لولا الشعر لأُصبنا جميعًا بالسكتة القلبية”.. أَليس العالم دون شعر خراب وخواء؟
ليس بهذا المعنى من وجهة نظري فالتقرب من الله -عز وجل- هو غذاء الروح، ولكن الشعر منصة للبوح بأسرار داخلنا بطريقة غير مباشرة.
_رسائل الشعراء والمبدعين فيما بينهم كنز عظيم، وتراث إنساني عميق، لماذا تغيب عنا أدبيات جمع الرسائل ونشرها على غرار رسائل محمود درويش مع سميح القاسم، جبران خليل جبران مع ماري هاسكل، أو مي زيادة، غادة السمان مع غسان كنفاني، فرناندوا بيسوا مع حبيبته أوفيليا …إلخ؟
تغيب؛ لأن أصبح مفهوم الشاعر عند بعض الأشخاص هو تكوين قاعدة جماهيرية والوصول للقمة حتى أن كان على حساب الآخرين، وأيضًا لأن بعض الأشخاص عند الوصول للقمة وتكوين قاعدة جماهيرية يصاب بالكبر وهذا هو السبب الأول.
_كثيرون كتبوا الشعر ونظموا القوافي، لكن هذا ليس بأمر كافٍ لولادة شاعر، من هو الشاعر برأيك؟ وهل يولد الإنسان شاعرًا؟ أم أن المثابرة على النَّهل من بحر الشعر تصنع شاعرًا؟
ولادة الشاعر تتكون عند إتقان فن اختيار الكلمات، وتنظيم القوافي، ولكن من وجهة نظري أرى أن السبب الرئيسي هو عدم إتقان فن الإلقاء؛ لأن الإلقاء يمثل 80% من الشعر.
المثابرة على النهل من بحر الشعر هي من تصنع شاعرًا بالطبع هذه من وجهة نظري.

_كيف ينظر الشاعر أحمد وشاحي إلي كل من…
• الوطن..
نحن نتغير والوطن باقٍ، فنحن جزءٌ من الوطن وليس الوطن يتجزأ لأنه مولد الشخص ومولد الهوية ويربطنا جميعًا ارتباطًا تاريخيًا بداخله ويجب احترام كلمة وطن، فهو للجميع وليس لأشخاص محددين.
• الغربة..
الغربة مثل أبتعاد الطفل عن أمه، والانقطاع عن الأهل والجيران والأصدقاء، وفناء العمر والإحساس بالوحدة دائمًا.
• الحلم..
أرى الحلم يتحقق بالمقاومة على المحاولات في الوصول إلى ما يريده الشاعر في العموم مهما مهما كانت محاولات فاشلة، فليس من السهل النجاح والصعود للقمة، يجب أن يكون في الطريق بعض الصعوبات والتحديات ويجب تخطيها للوصول للحلم.
_قبل أن نختتم هذا الحوار، وبكلمات قليلة، ما الذي يمكن أن تكتبيه إلى جوار كل من هؤلاء؟
• عبدالرحمن الأبنودي..
الشاعر الكبير الأبنودي استطاع عمل شعبية للشعر العامي والتأثير بشكل عام على المجتمع بقصائده الأكثر واقعية وبساطة ولقد تعلمت منه الكثير والكثير.
• مجنون ليلى “قيس بن الملوح”..
قيس بن الملوح هذا من ضمن الشعراء العمالقة الذين استطاعوا نقش أسمائهم على كتب التاريخ، وكلماته المعبرة عن القصص الرومانسية الواقعية وليس بها أي من التصنع وعدم المصداقية.
• هشام الجخ..
الشاعر الكبير الجخ استطاع أيضًا إنشاء جمهور كبير جدًا للشعر العامي، وأيضًا التحدث عن مشاكل عامة تقرب بها إلى قلوب الناس وتعلمنا منه الكثير أيضًا.
• أمير الشعراء “أحمد شوقي”..
الشاعر الكبير أحمد شوقي كانت له القدرة على اللعب بالكلمات، والغوص داخل قلوب كل المستمعين والقراء، وبهذا حصل على لقب أمير الشعراء لكلماته الجبارة بجانبه عباراته ومواضيعه الشيقة.
_ما رأيك بمجلة إيڤرست الأدبية وما تقدمه للشباب.. والحوار الخاص بنا؟
مجلة إيفرست هي مثل قارب النجاة التي تعبر بالمواهب لبر الأمان ومساعدة الجميع على الوصول إلى القمة دون انتظار شكر أو أي مقابل، بل هي تؤمن بالمواهب جميعًا، ولا يوجد تميز لأي أشخاص محددين، ويوجد عدل وإنصاف في كل شي.
أما عن الحوار الصحفي جزيل الشكر والتقدير والاحترام للصحفية المتميزة عفاف رجب على هذا الحوار الشيق والممتع وعلى جهدها المبذول مع جميع المواهب.
_وفي النهاية؛ ما الشيء الذى تريد قوله؟ ولمن يهدي الشاعر السلام والتحية؟
أتقدم بكل الشكر والتقدير
لكل الداعمين لي على رأسهم جميع أهالي مدينتي الحبيبة رأس غارب، ووالدتي وأخوتي، وخطيبتي، وجميع أفراد عائلتي وأصدقائي.
وبالأخص: والدتي وخطيبتي.
وللأستاذ: أشرف وشاحي مكتشف الموهبة.
والأستاذ: محمد جمال عبدالقادر.
والأستاذ: مصطفي عبدالحافظ من أكثر الداعمين ليّ حقًا.
والأستاذ: وليد عاطف حسني الداعم الحقيقي ليّ.
شكر خاص لشركة بريص على دعمها وبالأخص المهندسة صفاء بريص.
وكل الشكر والتقدير والاحترام للصحفية المتميزة: عفاف رجب على هذا الحوار الشيق والممتع.
_نترككم الآن مع إحدى قصائد الشاعر.






المزيد
في عالمٍ تمتلئ فيه الكلمات، نلتقي اليوم بالكاتب الشاب محمد وليد، الذي اختار أن يجعل من قلمه مرآة للواقع ولمسة من الخيال، ليصنع نصوصًا تلامس القارئ بصدق.
بين الحزنِ العميقِ والكلماتِ الصادقة، تتشكّل ملامح عالمه الأدبي، حيثُ تتحوّل المشاعر إلىٰ نصوصٍ نابضةٍ بالحياة. يكتبُ ليخفّف عن روحه، ويمنح صوته لكلِّ مَن اختار الصمت.
بين جلال الوزن وهيبة القافية، يطل علينا الشاعر عفيفي أحمد فتحي هبّه، ليؤكد أن عمود الشعر العربي لا يزال حياً ينبض في صدور جيلٍ يأبى إلا الجزالة مذهباً.