مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رحلة الإنسان رسالة بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر

رحلة الإنسان رسالة

بقلم/هاجر أحمد عبد المقتدر

منذ أن يبصر الإنسان نور الحياة، تبدأ رحلته في دروبٍ لا يدرك مداها، رحلةٌ لا تُقاس بطول الأعمار ولا بتعاقب السنين، وإنما بما تخطُّه الأيام في القلب من ندوب، وما تغرسه المحن في الروح من حكمة. يولد خالي الوفاض، نقيَّ السريرة، ثم تمضي به الحياة لتلقنه دروسًا لم يخترها، فيدرك أن الفقد سنةٌ لا يستثني أحدًا، وأن الخذلان قد يأتي من أقرب القلوب، وأن الأمنيات ليست جميعها خُلقت لتُدرك، بل إن بعضها وُلد ليعلِّم الإنسان كيف يصبر. ومع كل انكسارٍ يسقط شيءٌ من روحه لا تراه العيون، ثم ينهض بما بقي منه، لا لأن النهوض يسير، بل لأن الحياة لا تمنح المتعبين رفاهية التوقف. ويمضي في طريقه حتى يوقن أن أقسى الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسيوف، وإنما تلك التي تضطرم في أعماق النفس؛ حين يُخفي وجعه خلف ابتسامة، ويكتم دمعته خشية أن يثقل بها قلبًا آخر، ويؤثر الصمت لأن الكلمات تعجز أحيانًا عن وصف ما تُثقله الروح. وكلما ظن أنه بلغ شاطئ الطمأنينة، باغتته الحياة بموجٍ جديد، ليعلم أن النجاة ليست في غياب العواصف، وإنما في الثبات أمامها، وأن القوة ليست ألا ينكسر الإنسان، بل أن يجمع شتات نفسه بعد كل انكسار، ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن. وحين تدنو الرحلة من نهايتها، تنكشف له حقيقةٌ طالما غفل عنها؛ فلا المال يبقى، ولا الجاه يدوم، ولا الأسماء تحفظها الأيام، وإنما يبقى أثرُ قلبٍ أحسن، وكلمةٍ جبرت خاطرًا، ورحمةٍ أحيت نفسًا أوشكت أن تنطفئ. عندئذٍ يدرك أن رحلة الإنسان لم تكن سعيًا وراء الخلود، وإنما كانت رسالةً تُكتب بالأفعال قبل الأقوال، وأن أعظم انتصارٍ يحققه المرء ليس أن يطيل البقاء في الدنيا، بل أن يترك بعد رحيله أثرًا لا تمحوه السنون، ودعاءً يرفعه المحبون، وذكرًا طيبًا يشهد أن مروره في هذه الحياة لم يكن عبثًا، بل كان نورًا عبر القلوب ثم استقر فيها.