أجنحة مكسورة (الفصل السابع – ندوب لا تُرى) بقلم هانى الميهى
ليست كلّ الجراح تُرى بالعين، ولا كلّ الندوب تترك أثرًا على الجسد.
هناك ندوبٌ أعمق من العظم، أعمق من اللحم، تستقرّ في الروح ذاتها.
تُصيبنا في لحظةٍ خاطفة، لكنّ أثرها يظلّ يتردّد فينا كصدى بعيدٍ لا ينطفئ.
الناس يلتفتون إلى ما هو ظاهر: ذراع مكسور، جرح غائر، دمعة على خدٍّ مُرهق.
لكنّ الندوب التي لا تُرى هي الأشدّ قسوة، لأنها تُسكنك عالمًا لا يشاركه أحد معك.
تصحو صباحًا وأنت تحملها، وتنام ليلًا وهي تسهر على صدرك.
لا تُخبر بها أحدًا، لأنّ الكلمات تخون، ولأنّك تدرك أنّ لا لغة تكفي لتترجم هذا الثِقَل الذي يتدلّى من روحك.
الندبة التي لا تُرى تغيّر نظرتك إلى كلّ شيء.
تصبح حذرًا أكثر من اللازم، تخاف من الفرح لأنه يُذكّرك بأنّ الألم يتربّص خلف الباب، وتخاف من الحبّ لأنّه يحمل في داخله احتمال الخيانة، وتخاف من الأمل لأنه قد يتحوّل إلى خيبةٍ جديدة.
كأنّك تعيش نصف حياة: حاضرًا بجسدك، غائبًا بروحك، متيقّظًا دومًا لجرحٍ قد يتكرّر.
ومع ذلك، هذه الندوب الخفيّة ليست لعنةً كاملة.
إنها الوجه الآخر للقوة.
فمن يحملها يتعلّم كيف يُصغي لما وراء الكلمات، وكيف يفهم صمت الآخرين، وكيف يشعر بجرحٍ لم يُعلن عنه أحد.
إنها تجعلنا أكثر إنسانية، لأنّ الألم حين يسكننا يفتح أعيننا على هشاشة الجميع.
الندوب التي لا تُرى لا تختفي، لكنها تتحوّل مع الزمن إلى بصمةٍ تُذكّرنا بأنّنا نجونا.
نجونا من سقوطٍ كان كفيلًا بأن يُنهي كلّ شيء، وخرجنا منه أحياء، حتى لو مثقلين.
إنها شهادةٌ على أننا مررنا بالجحيم، وعدنا منه بأرواحٍ تعرف أكثر ممّا كانت تعرفه.
ويبقى السؤال معلّقًا:
هل نملك الشجاعة لنحبّ أنفسنا بكلّ ما تحمله من ندوبٍ لا تُرى؟
أم نظلّ نحيا وكأننا نحاول إخفاءها عن عيون العالم؟






المزيد
كن أنت ولا تكن غيرك بقلم سها مراد
افكار بقلم دينا مصطفي محمد
تجاوز بقلم خيرة عبدالكريم