آخر مرة جلست مع نفسك
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثانى
السر
ليس كل من يهرب من الناس يخافهم… بعضهم يهرب من لحظة يخلو فيها بنفسه.
لا أذكر متى أصبحت الدقيقة الواحدة ثقيلة إلى هذا الحد.
كان الانتظار يومًا جزءًا من الحياة. نقف فى محطة القطار، أو أمام نافذة المستشفى، أو فى صالة المطار، فنترك أعيننا تتجول فى الوجوه، ونترك أفكارنا تتجول فينا. لم يكن هناك ما يسرق تلك اللحظات، فكانت تعود إلينا كما يعود النهر إلى مجراه.
أما اليوم…
فلم يعد للانتظار وجود.
كل دقيقة فراغ أصبحت مشروع هروب.
تمتد اليد إلى الهاتف قبل أن تمتد إلى الفكرة.
ويهرب البصر إلى الشاشة قبل أن يلتفت إلى الداخل.
لا لأن الهاتف أقوى منا…
بل لأننا لم نعد نحتمل البقاء مع أنفسنا.
أحيانًا أسأل نفسى سؤالًا بسيطًا، لكنه يربكنى كل مرة:
متى كانت آخر مرة جلست فيها مع نفسك، دون أن تبحث عن شىء يشغلك عنها؟
لا كتاب.
ولا شاشة.
ولا موسيقى.
ولا رسالة تنتظرها.
فقط…
أنت، وصمتك.
أخشى أن كثيرين لن يتذكروا.
ليس لأنهم مشغولون…
بل لأنهم نسوا كيف يبدو الصمت حين لا يقاطعه أحد.
الصمت لم يعد غياب الأصوات.
الصمت أصبح غياب الهروب.
حين تجلس وحدك، تبدأ الأصوات التى أجلتها سنوات فى العودة.
تتذكر حلمًا تركته فى منتصف الطريق.
وتتذكر كلمة جرحتك، وادعيت أنك نسيتها.
وتتذكر إنسانًا رحل، وما زلت تؤجل الحزن عليه.
لهذا نخاف الصمت.
لأنه لا يجامل.
ولا يلهينا.
ولا يسمح لنا بالاختباء.
ربما لهذا السبب امتلأت حياتنا بالأشياء الصغيرة.
ليست لأنها ضرورية…
بل لأنها تمنع الأسئلة الكبيرة من الاقتراب.
نسير، والهاتف فى أيدينا.
نأكل، والشاشة أمامنا.
نسافر، ونصور الطريق أكثر مما نراه.
حتى أصبحنا نعيش اللحظة بعين الكاميرا، لا بعين القلب.
وكأننا نخشى أن تبقى لحظة واحدة لا يشاركنا فيها أحد، مع أنها قد تكون اللحظة الوحيدة التى كنا نحتاج أن نشاركها مع أنفسنا.
ليس كل اتصال يقربنا من الحياة.
هناك اتصالات تبتلعها.
تأخذ من يومنا دقائق، ثم ساعات، ثم أعوامًا، دون أن ننتبه.
وحين نلتفت إلى الخلف، نكتشف أننا كنا نعرف أخبار العالم كله…
لكننا لم نعرف ماذا كان يحدث داخلنا.
لا أطالب بإغلاق الهاتف.
ولا بالهروب إلى الجبال.
ولا باعتزال الناس.
كل ما أتمناه أن يستعيد الإنسان تلك القدرة القديمة…
أن يجلس قليلًا مع نفسه، دون خوف.
أن يسمع صوته قبل أن يسمع أصوات الآخرين.
أن يترك قلبه يتحدث، قبل أن يفتح تطبيقًا جديدًا.
فبعض الإجابات لا تصل فى إشعار.
ولا تُكتب فى رسالة.
ولا تظهر على شاشة.
بعضها لا يولد…
إلا فى صمتٍ طال انتظاره.
رسالة الفصل
حين يفقد الإنسان القدرة على الجلوس مع نفسه، يبدأ فى البحث عن نفسه فى كل مكان… إلا داخله.
تمهيد الفصل الثالث
لكن إذا كنا نهرب من الصمت…
فكيف تحولت الإشعارات الصغيرة إلى سلطة تتحكم فى انتباهنا، وربما فى حياتنا كلها؟






المزيد
حديقتي السرية بقلم الكتابة بثينة الصادق (عاصي)
يارب فرحة كبيرة بقلم سها مراد
كتاب العزلة رغم الاتصال بقلم الكاتب هانى الميهى