مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

آخر أيامي بقلم صافيناز عمر 

آخر ايامي بقلم صافيناز عمر

 

 

ما أعظم أن يحيا المرء لحظة يرى فيها أحلامه القديمة وقد ارتدت ثوب الحقيقة، وما أجمل أن يستشعر القلب أمانيه التي طالما رافقته في صمت الليل ودموع الرجاء، وهي تكتمل أمام عينيه. ها أنا اليوم أعيش نشوةً لم أذق مثلها من قبل، وأنا أتهيأ لزفافي الذي انتظرته بسنواتٍ من الصبر والدعاء، زفافٌ طالما سكنت صورته خيالي، فإذا به يقترب مني كأنما يمد يده ليحتضن عمري الجديد.

 

كل تفصيلٍ صغيرٍ أُعِدّه لهذه الليلة المباركة لا أراه مجرد عملٍ عابر؛ بل أراه امتداداً لسنوات الشوق الطويلة. حتى اختيار فستانٍ أبيض يشبه طهر الحلم، أو انتقاء وردة تُزين الطاولة، أو لحنٍ يرافق اللحظة، كلها في نظري ليست تفاصيل ثانوية، بل هي علامات على طريق الفرح، وبشائر تهمس لقلبي أن الأمنيات لا تموت.

 

إنها ليست مجرد تحضيرات، بل كتابة جديدة لتاريخي، وبداية لفصلٍ يتنفس بالحب والسكينة. إنني أتهيأ لأعقد شراكة مع الروح التي اختارها قلبي، وأدرك أن الله استجاب لدعواتٍ خبأتها في جوف السجود، فوهبني نصيباً طيباً ورفيقاً يُكملني. وما أعذب أن ترى الاستجابة تتجلى لا في الكلمات فحسب، بل في الأقدار التي تُرسم بخيوط النور.

 

وحين أتأمل ملامح أهلي وأصدقائي، أرى الفرح يفيض من عيونهم حتى يسبق فرحتي. أرى دموعاً صافية في عيون والديّ، دموعاً تُعلن أن فرحي هو فرحهم، وأن سعادتي سعادتها الكبرى. وأسمع أصوات صديقاتي اللاتي كثيراً ما قلْن: “متى نفرح بك؟” فإذا بقلوبهن ترقص الآن معي كأن الفرح لهن جميعاً.

 

لقد أيقنت خلال هذه الأيام أن السعادة ليست فقط في يوم الزفاف نفسه، بل في الرحلة التي تسبقه. إن لحظة الاختيار، لحظة البحث، لحظة الاتفاق، لحظة التخيل… كلها لحظات تصنع معنى أعمق من مجرد يوم عابر. إنها حياة تتفتح شيئاً فشيئاً، كزهرةٍ تنبض عطراً قبل أن تُزهر كاملة.

 

إنني اليوم أشعر أن العمر يبتدئ من جديد. أشعر أنني أعيد ولادتي على صفحةٍ أنقى، بروحٍ تُزينها الطمأنينة، وقلبٍ يفيض بالحب. وما أجمل أن يُعلّمنا الصبر أن ما تأخر لم يغب، وأن الأقدار تأتي حين تكتمل حكمتها، وأن الله حين يختار لنا، يختار الأجمل والأكمل دائماً.

 

ورغم أن الكلمات، مهما زُخرفت، تعجز عن رسم ملامح شعوري، إلا أنني أستطيع أن أقول إن قلبي ممتنّ حتى أقصى مداه. ممتنّ لأن الحلم صار يقيناً، ولأن الانتظار أُبدل باللقاء، ولأنني على أعتاب بداية تُشبه الحلم، لكنها أجمل منه.

 

إنني أتهيأ لأرتدي فستاني الأبيض، وأمشي نحو حياةٍ جديدة يرافقني فيها من اختاره قلبي، وأمسك بيده لأبدأ معه فصلاً طويلاً من المحبة والسكينة. وأسأل الله أن يبارك هذه البداية، وأن يجعل من فرحي هذا شمساً لا تغيب، ونوراً يزداد إشراقاً مع كل يوم جديد.