مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قيود تحتالني بقلم صافيناز عمر 

قيود تحتالني بقلم صافيناز عمر

 

كثيرًا ما أشعر أنّني أُقيم في سجنٍ لا تراه العيون، سجنٍ جدرانه من أحكام البشر، وسقفه من نظراتٍ مثقلة بالشك والانتقاد، وأرضه مرصوفة بخيباتٍ متراكمة. إنّه قفصٌ نسجته الأيام بخيوطٍ خفيّة، تحيط بي وتكتم صدري، حتى صار التنفّس فعلًا ناقصًا، والهواء الذي أرتشفه لا يروي عطش الروح، بل يزيدها اختناقًا.

 

الخنقة التي تلتف حولي ليست وليدة ضيق المكان، بل وليدة ضيق الزمان والذاكرة، وليدة أفكارٍ تتناسل في رأسي كالظلال السوداء، وأحلامٍ أُجهضت قسرًا وتركتني على حافة العجز. أشعر وكأنّ أيادي خفيّة تتحكم بخطواتي، تحرّكني حيث لا أريد، بينما أظلّ أرتدي قناع الرضا، وأخفي خلفه صرخاتٍ مكتومة لا يلتقطها أحد.

 

القيود التي تُكبّلني ليست دائمًا حديدًا أو جدرانًا، بل كثيرًا ما تكون ميراثًا من عاداتٍ بالية، ومسؤولياتٍ ثقيلة، وخوفًا غُرس في داخلي منذ الطفولة فترعرع معي. قيودٌ تجعلني أعيش نصف حياة، كطائرٍ مهيض الجناحين، يرى السماء ولا يقوى على بلوغها.

 

وأقسى ما في الحبسة أنّك تبدو أمام الناس حرًّا، بينما في أعماقك تُصارع الغرق. يظنّون أنّ ابتسامتك علامة طمأنينة، وهي في حقيقتها قناعٌ هشّ يحميك من أسئلتهم. تسير بين الجموع، لكنك تشعر أنك غريب، وتغرق في الحديث، لكن صوتك لا يبلغ حقيقة قلبك.

 

ورغم كلّ هذا، ما زال في أعماقي قبسٌ صغير لا ينطفئ: يقينٌ بأنّ الحرية ممكنة، وأنّ القيود مهما اشتدّت يمكن كسرها. الحرية تبدأ من مواجهة الذات، من تلك اللحظة التي أجرؤ فيها أن أقول: “كفى”. قد يكون الطريق نحو الانعتاق محفوفًا بالخسائر، وقد أتعرّض للجراح وأنا أحاول استرداد نفسي، لكن أي معنى للحياة إذا لم تُعش كاملةً بالروح قبل الجسد؟

 

إنّ الحبسة والخنقة ليست قدرًا محتومًا، بل جدارٌ ينتظر من يهدمه، وسلاسل تنتظر من يتحرّر منها. لأنّ الروح خُلقت لتتنفّس بلا قيود، ولأنّ الإنسان وُجد ليحيا كريمًا، لا ليُسجن في خوفٍ أو قيدٍ أو نظرةٍ من الآخرين.