مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نهاية الغفران بقلم صافيناز عمر   

نهاية الغفران بقلم صافيناز عمر

 

كنتُ أؤمنُ دائمًا أنّ التسامح قوّة لا يقدر عليها إلا القلوب العظيمة، وأنّ الغفران ليس ضعفًا كما يظنّ البعض، بل هو رفعة للنفس وسموّ للروح. ولأجل هذا ظللتُ أمنحك عفوًا تلو عفو، وأفتح لك أبواب قلبي كلّما أوصدتها أخطاؤك، علّك تدرك يومًا قيمة ما أهبه لك. غير أنّ الحقيقة المرّة التي واجهتني أنّك ما ازددتَ إلا استخفافًا، وكأنّ غفراني لك كان تصريحًا متجدّدًا لتعيد ذات الجرح مرارًا وتكرارًا.

 

لم أندم يومًا على سماحي، فإنّ النقاء لا يُندم عليه، لكنّ الندم الحقيقي كان في أنني منحتك من نفسي حتى استنزفتني. كلّما التفتُّ إلى داخلي وجدتُ شروخًا لا تلتئم، وكلّما أعطيتُك فرصة جديدة، أخذتَ من قلبي قطعة أخرى، وكأنّك اعتدتَ أن ترى احتمالي للألم أمرًا مضمونًا.

 

كنتُ أغفر بدافع المحبّة، بدافع خوفي من خسارتك، كنتُ أخترع لك الأعذار وأبني لك المبرّرات من العدم، لكنّي لم أجد منك أدنى محاولة لحماية هذا القلب الذي ضمّك بلا حساب. كنتَ تراني أنهض من كسري، ألملم فتات روحي وأعود، ولم ترَ أنّ كلّ عودة كانت أشدّ وجعًا من سابقتها.

 

الطعنات المتكرّرة لا تُميت الجسد فحسب، بل تُنهك الروح. وأنا روحي أُنهِكت من شدّة الانتظار، انتظار يومٍ تصون فيه ما لم تحسن صيانته، أو لحظة تضع فيها قلبي بين يديك برفق بدلًا من أن تتركه ينزف.

 

لقد بلغتُ الآن أقصى حدود احتمالي، وتهاوى آخر ما في داخلي من صبرٍ وغفران. هذه ليست قسوةً، بل إنصافٌ لذاتي التي أهملتها طويلًا في سبيلك. هذه ليست جفوة، بل لحظة وعي متأخّرة تقول لي: “إنّ للقلب الكريم نهاية، وللجَلد المستمرّ حدًّا لا يتجاوزه.”

 

فلتعلم أنّ هذه الصفحة هي الأخيرة في كتاب تسامحي معك. لن تجد بعد اليوم قلبًا يتسع لجرح جديد، ولن تلقى ابتسامةً تُخفي دمعة، ولا كلمة “لا بأس” تُسكِت نزيف الروح. لقد أُغلِق الباب الذي كنتُ أفتحه دومًا لك، لا عن كراهية، بل عن حماية لنفسي.

 

قد تظنّ أنّي أقسوتُ حين اخترت الرحيل عن دائرة الغفران، لكنّك لو أبصرت أعماقي لعلمت أنّها أشدّ لحظة قوّة في حياتي. فأنا اليوم اخترت نفسي على حساب ألمٍ لم يرحمني يومًا، وقرّرت أن أكون وفيّة لجرحي بعد أن خذلتني محاولاتي في أن أكون وفيّة لك.

 

تذكّر، إن مرّ بك يومٌ تتفحّص فيه ذكرياتنا، أنّي غفرتُ لك أكثر مما يحتمل قلب، وأنّ آخر مرّة سامحتك فيها كانت بمثابة إعلان صريح: لا غفران بعد اليوم.

 

فلا تنتظر منّي بعد الآن أن أكون المرفأ الذي تعود إليه، ولا اليد التي ترفعك كلّما هويت. لقد استُنزفت طاقتي، ونفد صبري، وجفّت آخر قطرات غفراني. وما تركتُك إلّا حين أيقنت أنّ الاستمرار معك خيانة لنفسي، وأنّ حُبّي لك صار جسرًا تُعبر عليه إلى راحتي، بينما تتركني أنا غارقة في الألم.

 

إنّها النهاية… نهاية الغفران، وبداية العدل مع ذاتي.