بقلم: يحيى القطب
قبل أيام اشتعلت التعليقات تحت منشور لفتاة كتبت قائمة طويلة من كلمة واحدة تتكرر: «لا».
لا لبيت العائلة.
لا لرجل تعليمه أقل منها.
لا لزوجة ثانية.
لا لزواج عرفي.
لا لرجل مدمن.
لا لرجل يمد يده أو يسيء الأدب.
ولا لرجل «دماغه مغسولة بسموم تجار الدين» – على حد تعبيرها.
لم يكن المنشور غريبًا في ذاته، فمن حق أي امرأة أن تختار شريك حياتها، وأن ترفض ما لا يليق بها أو يهدد استقرارها.
لكن ما إن انتشر المنشور حتى تحولت التعليقات إلى ساحة اشتباك حقيقية بين الرجال والنساء.
النساء رأين فيه دفاعًا مشروعًا عن حقهن في الاختيار.
والرجال رأوا فيه صورة لرجلٍ مثالي يكاد لا يوجد في الواقع.
وبين هذا وذاك تحولت المسألة إلى ما يشبه مباراة شروط: كل طرف يرفع قائمة «لا» أطول من الآخر.
فماذا لو كتب الرجال أيضًا قائمتهم الخاصة من كلمة «لا»؟
قائمة «لا»… ولكن هذه المرة بصيغة رجالية
لو دخل الرجال إلى نفس المباراة، فقد يكتب بعضهم قائمة لا تقل طولًا:
استقلال جزئي، لكن العزلة عن العائلة ؟ لا.
تعليمها أقل منك؟ لا.
سبق لها الارتباط؟ لا.
زواج عرفي؟ لا.
أصغر سنًا منك؟ لا.
مدللة إلى حد قلة المسؤولية وسوء الأدب؟ لا.
كذابة أو منافقة؟ ألف لا.
مدمنة أو حتى مدخنة؟ لا.
سليطة اللسان لا توقر زوجها؟ لا.
لا تستطيع التعاون لبناء حياة مستقرة؟ لا.
مبذرة لا تحسن التدبير؟ لا.
غيرة عمياء وحب تملك؟ لا.
لا تحترم أهلك أو تقلل منهم؟ لا.
دماغها محشوة بأكاذيب المفسدين والمتاجرين بالتحرر؟ لا.
هنا… ستتحول المسألة إلى قائمتين متقابلتين من الرفض، وكل طرف يبحث عن نسخة مثالية من الآخر، نسخة بلا نقص، بلا ضعف، بلا تعقيد.
لكن الحياة – للأسف أو لحسن الحظ – لا تُصنع من البشر المثاليين.
حينها سيصبح الزواج مستحيلًا!!
المشكلة ليست في حق الرجل أو المرأة في الاختيار… فهذا حق طبيعي للطرفين.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول العلاقة بينهما إلى حرب شروط؛ عندها يحدث أمران لا ثالث لهما:
• يرتفع سقف التوقعات إلى حد لا يستطيع كثير من الشباب أو الفتيات بلوغه.
• ويتأخر الزواج أكثر فأكثر حتى يصبح عند بعض الناس مشروعًا مستحيلًا.
• وحين يصبح الطريق الطبيعي للعلاقة الإنسانية – أي الزواج – طريقًا شديد الوعورة، يبدأ المجتمع كله في دفع الثمن.
فالتاريخ الاجتماعي يعلمنا أن المجتمعات التي تعقّد الزواج تعاني لاحقًا من اضطرابات أخلاقية واجتماعية لا تقل خطورة عن المشكلة الأصلية.
ليست هذه المشكلة جديدة
وقد كتبت سابقًا عن هذه الفكرة في مقال بعنوان: «أبو العريس»… وتناولتُ فيه كيف تحولت بعض الزيجات في عصرنا إلى مفاوضات قاسية لا إلى مودة ورحمة…
ليس الخطر أن تقول فتاة «لا» لرجل لا يناسبها، وليس الخطر أن يقول رجل «لا» لامرأة لا تصلح له… فالاختيار حق للطرفين.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين ستحول الزواج إلى سباق في رفع الشروط، حتى لا يبقى في النهاية أحد قادرًا على اجتيازها.
فحين تتكاثر كلمة «لا» من الجانبين، قد نستيقظ يومًا لنكتشف أن الكلمة التي اختفت من حياتنا هي: «نعم» للزواج.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق