مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ميزان_القلوب

ميزان_القلوب

 

الحلقة الرابعة عشر #عطاءبلاحدود

بقلم / عبد الرحمن شعبان سعد

رمضان كريم، جعله الله شهر الكرم والعطاء، لتعلّم القلوب أن تمنح دون انتظار مقابل، وأن الفرح الحقيقي يبدأ عندما نسعد غيرنا.

استيقظ آدم في صباح اليوم الرابع عشر، وشعر بشيء مختلف في قلبه… شعور بالمسؤولية تجاه من حوله. فكر في كل ما مرّ به خلال الأيام الماضية: السلام الداخلي، الصبر، الرحمة، القبول… وكل هذه الدروس تتجمع اليوم في درس جديد: العطاء بلا حدود.
في الطريق إلى العمل، لاحظ طفلة صغيرة تحاول بيع بعض الحلوى على الرصيف. اقترب منها بهدوء، واشترى منها بعض الحلوى، ثم ابتسم لها وقال: – ربنا يبارك لك. ابتسمت الطفلة وأخذت تعطيه هدية بسيطة: رسمة صغيرة على ورقة، لكنها جعلته يشعر أن العطاء يبدأ بلمسة صغيرة.
وصل إلى المكتب، فوجد سامي يحاول إنهاء تقرير مهم قبل الموعد النهائي، وكان مرهقًا جدًا. اقترب آدم وقال: – سيب شوية مني، أنا هساعدك. تفاجأ سامي وقال: – بس… أنا ما طلبتش مساعدة. أجاب آدم مبتسمًا: – مش لازم تطلب… العطاء الحقيقي يظهر دون انتظار طلب.
جلسا معًا، وعمل آدم على تجهيز البيانات، وتنسيق الجداول، وحلّ المشكلات الصغيرة، حتى أتموا التقرير قبل الموعد النهائي. لاحظ الجميع المجهود، لكن آدم لم يطلب أي تقدير… كانت فرحته تكمن في المساعدة فقط.
قبل المغرب، عاد آدم إلى البيت ليجد الحاجة فاطمة تحاول ترتيب بعض الأغراض القديمة لتوزيعها على الجيران المحتاجين. انضم إليها آدم بحماس، وقال: – خلينا نكمّل التوزيع سوا. ابتسمت الحاجة فاطمة وقالت: – اللي بيعمله القلب بدون انتظار مقابل، ربنا يشوفه قبل أي حد.
دخلت مريم بعد قليل، وحكت لهم عن جارتها التي كانت تمر بضيق كبير في المنزل. قالت: – ساعدناها بكلمة بسيطة، وليست الأمور المادية… مجرد اهتمام… والفرحة اللي شفتها في عينها ما تتوصفش. ابتسم آدم وقال: – ده بالضبط معنى العطاء الحقيقي… مش بس اللي نشوفه، اللي نعيشه جوه القلوب.
حين أذّن المغرب، جلس الجميع على المائدة، لكن آدم كان يفكر في كل موقف حدث اليوم، كل ابتسامة، وكل لمسة ساعدت شخصًا آخر. شعر أن ميزان القلوب يميل بشدة اليوم، ليس لأن العطاء كبير، ولكن لأن القلب أصبح واعيًا لقدرته على صنع فرق في حياة الآخرين.
بعد صلاة التراويح، جلس آدم في المسجد، وسمع الشيخ سالم يتحدث عن فضل العطاء والكرم: – العطاء الذي يخرج من القلب، حتى لو كان قليلًا، أكبر أثرًا من كل شيء ظاهر… لأنه ينير الروح قبل الحياة.
عاد آدم إلى البيت في هدوء، وكتب في مذكّرته: يا رب، اجعل قلبي دائمًا مستعدًا للعطاء، بلا حدود، بلا انتظار، وبصدق النية.
في تلك الليلة، شعر آدم لأول مرة أن ميزان القلوب لم يعد مجرد فكرة… بل أصبح أسلوب حياة. أدرك أن السعادة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما نقدمه للآخرين بقلوب صادقة.

النصيحة: العطاء الحقيقي لا يحتاج مناسبة، ولا شهرة، ولا مقابل… ابدأ اليوم، حتى لو بخطوة صغيرة، وسترى أثرها الكبير على قلبك وعلى حياة من حولك.
انتظروا الحلقة القادمة