مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

صورةُ الإنسان في مرآةِ الآخرين

بقلم: عمرو سمير شعيب

منذ سنواتنا الأولى نتعلّم أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون، فصورتنا عن ذواتنا لا تتكوّن في فراغ، بل في انعكاسٍ مستمر داخل عيون من حولنا، في كلمات المديح والانتقاد، في الإشارات الدقيقة التي تخبرنا متى نُقبَل ومتى نُرفض، ومع الوقت تتشكّل داخلنا نسخةٌ اجتماعية من الذات تحاول أن تظل قابلة للتصديق في تلك المرآة الجماعية. المشكلة لا تبدأ في الرغبة في القبول، فذلك احتياج إنساني طبيعي، بل تبدأ حين تتحوّل المرآة إلى معيارٍ وحيد، وحين يصبح الحفاظ على الصورة أهم من الحفاظ على الحقيقة الداخلية. عندها لا يعود الإنسان يسأل من أنا، بل يسأل كيف أبدو، ولا يقيس قراراته بمدى انسجامها مع قناعاته بقدر ما يقيسها بمدى قابليتها للتقدير. هذا التحوّل يحدث تدريجيًا وبلا ضجيج، إذ نعدّل بعض الزوايا الصغيرة في شخصياتنا لتتناسب مع التوقعات، ثم نكتشف بعد سنوات أن التعديلات الصغيرة كوّنت ملامح كاملة لا تعبّر عنا تمامًا. في العلاقات يتضاعف هذا الأثر، فنميل إلى لعب الأدوار التي تضمن استمرار القرب، فنكون أكثر هدوءًا مما نحن عليه، أو أكثر صلابة، أو أكثر تفهّمًا، لا لأن هذه صفاتنا الخالصة، بل لأنها الصورة التي تحفظ التوازن القائم. غير أن الاستمرار الطويل في العيش داخل انعكاسٍ خارجي يجعل الإنسان ينفصل تدريجيًا عن مركزه الداخلي، فيصبح أكثر حساسية للنقد وأشد تعلقًا بالإطراء، وكأن قيمته تتحرك صعودًا وهبوطًا بحسب استجابة الآخرين. هنا تتكوّن هشاشة خفية، لأن الذات التي تعتمد في تعريفها على المرآة تظل مهددة بكل تغيير في زاوية النظر. وحين تتبدّل العلاقات أو تتغيّر المواقع الاجتماعية، يشعر الإنسان بارتباكٍ وجودي لا يتعلق بالمكان بقدر ما يتعلق بالهوية، إذ يفقد المرجع الذي اعتاد أن يرى نفسه من خلاله. لذلك فإن إحدى أهم لحظات النضج هي اللحظة التي يدرك فيها الفرد أن صورته في أعين الآخرين ليست باطلة بالضرورة، لكنها ليست كاملة أيضًا، وأن الحفاظ على الاتساق الداخلي أهم من الحفاظ على الإعجاب الخارجي، وأن القبول الحقيقي لا يتحقق عبر مطابقة التوقعات بل عبر وضوح الحدود. حينها فقط تتغيّر علاقة الإنسان بالمرآة، فلا يعود يسعى إلى كسرها ولا إلى العيش داخلها، بل يستخدمها بوعي، يرى انعكاسه دون أن يسمح له بأن يصبح تعريفه الوحيد.