كتب المهيري بنعيسى:
دعني أسألك سؤالاً قد يقلب فهمك للحياة رأساً على عقب. هل أنت خائف من النجاح؟ ليس من الفشل، بل من النجاح نفسه. قد تضحك الآن وتقول: كيف يخاف إنسان من النجاح؟ لكن دعني أخبرك أن علم النفس الحديث يؤكد شيئاً مدهشاً: كثير من الناس يخافون من النجاح أكثر مما يخافون من الفشل. ليس لأنهم لا يريدون النجاح، بل لأن النجاح يأتي معه مسؤوليات، وتوقعات، وخوف من فقدان المكانة، وخوف من أن يكون النجاح مؤقتاً، وخوف من أن نظهر بمظهر من لا يستحق. نعم، نخاف أن ننجح ثم نسقط، فنكون قد فقدنا التعاطف الذي كنا نحصل عليه في فشلنا.
هذه الظاهرة لها اسم في علم النفس: “متلازمة الدجال” أو “Impostor Syndrome”. يعتقد من يعانيها أنه ليس ذكياً بما يكفي، وأن نجاحه مجرد حظ أو صدفة، وأنه سيُكتشف قريباً على أنه محتال. وقد أظهرت الدراسات أن حوالي 70% من الناس يعانون من هذه المتلازمة في مرحلة ما من حياتهم، حتى العباقرة والعلماء الكبار. فهم يعيشون في خوف دائم من أن يكتشف الآخرون أنهم لا يستحقون ما وصلوا إليه. وهذا الخوف يقودهم إلى التدمير الذاتي أحياناً، أو إلى رفض الفرص الكبيرة، أو إلى العمل بجهد مضاعف حتى الإرهاق.
لكن القرآن الكريم والسيرة النبوية يقدمان لنا علاجاً لهذا الخوف الخفي منذ قرون. لننظر إلى النبي ﷺ حين جاءه الوحي لأول مرة. كان خائفاً، لكن خوفه كان خوفاً بشرياً طبيعياً من المجهول. وماذا فعل؟ عاد إلى خديجة، وقال لها: “زملوني، زملوني”. لم يتظاهر بالقوة الزائفة، ولم يخف خوفه. لكنه بعد ذلك لم يسمح لهذا الخوف بأن يمنعه من قبول الرسالة. لقد قبل النجاح رغم خوفه منه. وهذا هو الدرس الأول: النجاح ليس غياب الخوف، بل هو الإقدام رغم الخوف.
والقرآن يخبرنا عن نبي الله موسى عليه السلام حين كلفه الله بالذهاب إلى فرعون. كان خائفاً. قال: “رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ”، وقال: “وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ”. هنا اعتراف صريح بالخوف من النجاح في مهمة عظيمة. والله لم يعنفه على خوفه، بل زوده بأخيه هارون، ومنحه القوة، وقال له: “قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا”. والدرس الثاني: النجاح لا يُمنح للخالي من الخوف، بل يُمنح لمن يتقدم رغم خوفه، والله يشد عضده ويمده بمن يعينه.
أما في علم النفس الحديث، فقد طورت الباحثة الدكتورة فاليري يونغ، المتخصصة في متلازمة الدجال، برنامجاً علاجياً يتكون من خمس خطوات رئيسية. أولها الاعتراف بالشعور، أي أن تعترف لنفسك أنك تشعر بأنك لست كفؤاً، بدلاً من كتمان ذلك وكأنه عيب. ثانيها فصل المشاعر عن الحقائق، بمعنى أن تشعرك بأنك محتال لا يعني أنك كذلك بالفعل. ثالثها تقبل أن الكمال غير موجود، وأن الأخطاء جزء طبيعي من أي نجاح. رابعها بناء شبكة دعم من أشخاص يذكرونك بقيمتك الحقيقية. وخامسها الاحتفال بالانتصارات الصغيرة، لأن النجاح الكبير يتكون من تراكم نجاحات صغيرة.
والملفت أن القرآن الكريم قد سبق هذه الخطوات كلها. فالاعتراف بالشعور تجده في قول موسى “إني أخاف”، وفصل المشاعر عن الحقائق تجده في قوله “وأعلم من الله ما لا تعلمون”، أي أن شعوره بالخوف لا يغير من حقيقة أن الله معه. وتقبل النقص تجده في آيات كثيرة تذكر ضعف الإنسان، كقوله “وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا”. وبناء شبكة الدعم تجده في قصة موسى وهارون، والاحتفال بالانتصارات الصغيرة تجده في قوله “فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا”.
لماذا نخاف من النجاح إذن؟ لأن النجاح يكشفنا. يضعنا في مرآة شفافة، ويجعل العالم ينظر إلينا، ويجعلنا ننتظر السقوط في كل لحظة. نخاف أن ننجح لأننا لا نثق بأنفسنا، رغم أن الله يقول لنا: “إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”، ويقول “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ”. ليس النجاح خارجاً عن إرادتك، وليس حظاً أعمى، بل هو ثمرة سعيك واجتهادك، مع فضل الله ورحمته.
ففي المرة القادمة التي تشعر فيها بالخوف من النجاح، تذكر أن هذا الشعور ليس ضعفاً، بل هو دليل على أنك إنسان حقيقي. تذكر أن موسى والنبي ﷺ شعرا بالخوف أيضاً، لكنهما تقدما. تذكر أن الله لا يختار عباده لأنهم كاملون، بل يختارهم رغم نقصهم. وتذكر أن النجاح الحقيقي ليس في الوصول فقط، بل في أن تقبل النجاح بشجاعة، وتحمله بوعي، وتستمر في السعي دون أن يغريك الغرور أو يهزمك الخوف. لأن من خاف من النجاح، حرم نفسه من أعظم ما يمكن أن تمنحه الحياة. والفشل الحقيقي ليس أن تفشل، بل أن ترفض المحاولة خوفاً من أن تنجح.






المزيد
بوسعادة… مدينة الرمال وتاريخ العظماء
عندما يُغتال الحلم العربي… هل تنتصر كرة القدم أم تخسر العدالة؟
ملامحٌ يكتبها الصمت