مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رُزِقتُ أهلًا لا يخافون الله بقلم الكاتب هانى الميهى  

رُزِقتُ أهلًا لا يخافون الله

الكاتب هانى الميهى

 

آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة

 

الفصل الخامس

السر

 

ليست كل الأرزاق نعمة، فبعضها امتحان يضع الإنسان كل يوم بين سلامة ضميره وسلامة حياته.

 

كنت أظن أن الإنسان يولد فى بيته، ثم يكبر داخله كما تكبر الشجرة فى أرضها. لم أكن أعرف أن بعض البيوت لا تمنح أبناءها جذورًا، بل تمنحهم معارك يخوضونها منذ أول وعى لهم بالحياة.

 

لم يكن يؤلمنى الفقر، ولم أخشَ يومًا ضيق الرزق، لكن الذى كان يسرق من قلبى طمأنينته هو أن أرى الحرام يدخل البيت مطمئنًا، وكأنه فرد من العائلة، لا ضيفًا يجب أن يرحل. كنت أرى المال يملأ الأيدى، لكنه لا يملأ القلوب، وأرى البركة تغادر المكان بصمت، بينما الجميع يظن أن كثرة المال تعنى كثرة الخير.

 

كنت أسأل نفسى فى صمت: كيف يعتاد الإنسان شيئًا يعلم أنه لا يرضى الله؟ كيف يستطيع أن ينام قرير العين، وفى ماله حق ليس له؟ وكيف يتحول الحرام، مع مرور الأيام، من ذنب يخشاه صاحبه إلى عادة يدافع عنها إذا ناقشه أحد؟

 

لم تكن المشكلة فى الأموال وحدها، بل فى القلوب التى ألفت هذا الطريق حتى لم تعد ترى فيه عوجًا. كنت أشعر أننى أعيش بين عالمين؛ عالم يخبرنى أن رضا الله هو الغاية، وعالم آخر يقيس كل شىء بحجم الربح، حتى لو خسر الإنسان نفسه.

 

ولهذا كنت أشعر بالغربة وأنا ما زلت داخل بيتى.

 

غربة لا تصنعها المسافات، بل تصنعها المبادئ حين تصبح غريبة بين أهلها. كنت أبتسم احترامًا، وأصمت تجنبًا للخصام، لكن داخلى كان يزداد يقينًا أن القلب الذى يخاف الله لا يستطيع أن يطمئن طويلًا فى مكان اعتاد أن يصالح الحرام.

 

ولم يكن يؤلمنى أنهم اختاروا لأنفسهم هذا الطريق، فلكل إنسان حسابه بين يدى الله. الذى كان يؤلمنى حقًا أننى كنت أخاف أن يصبح الاعتياد أخطر من المعصية نفسها. فالمعصية التى تؤلم صاحبها قد يتوب منها، أما التى يراها أمرًا طبيعيًا، فهى التى تُطفئ نور القلب شيئًا فشيئًا.

 

كنت أراقب الأيام، وأراقب نفسى أكثر. كنت أخاف أن يألف قلبى ما تراه عينى كل يوم، وأن يأتى يوم لا أنكر فيه ما كنت أنكره، أو أسكت عما كنت أرفضه. فالإنسان لا يسقط دائمًا بخطوة واحدة، بل قد يسقط لأن الخطأ ظل يتكرر أمامه حتى فقد دهشته الأولى.

 

لهذا لم تكن معركتى مع المال، بل مع نفسى. كنت أريد أن أبقى كما عرفت الله أول مرة؛ أخاف الحرام وإن كثر أهله، وأطمئن للحلال وإن قل أصحابه. كنت أريد أن أحمى قلبى قبل أن أحمى حياتى، لأن القلب إذا فسد، لم يعد يميز بين النور والظلام.

 

وعندها فقط بدأت أفهم أن بعض الابتلاءات لا تأتى لتسلب الإنسان شيئًا، بل لتسأله سؤالًا واحدًا:

 

إذا أصبح الخطأ هو الطريق الذى يسير فيه الجميع… فهل تملك الشجاعة أن تسير وحدك؟

 

وكان هذا السؤال بداية رحلة لم أكن أعلم أنها ستغير حياتى كلها.

 

 


 

رسالة الفصل

 

أقسى الغربة ليست أن تعيش بعيدًا عن وطنك، بل أن تعيش قريبًا من أهلك، ولا تجد بينهم ما يطمئن قلبك إلى الله.

 

تمهيد الفصل السادس

 

لكن ابتلاء البيئة لم يكن آخر الطريق…

 

فحين ظننت أن الشريك سيكون السند، اكتشفت ابتلاءً آخر أشد قسوة.

 

الفصل السادس: “ورُزِقتُ زوجًا يتبع خطوات الشيطان.”