كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
لم يعد الخلاف بين الناس في كثير من الأحيان مجرد اختلاف في الرأي، بل أصبح عند البعض معركة يريد فيها كل طرف أن يثبت أنه وحده على حق، حتى لو خسر في الطريق أخًا أو صديقًا أو قريبًا. أصبح البعض يدخل الحوار وهو لا يبحث عن الحقيقة، وإنما يبحث عن انتصار شخصي، يريد أن يخرج منه منتصرًا ولو خرجت العلاقة نفسها مكسورة. وهنا لا تكون المشكلة في اختلاف الأفكار، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف.
فالاختلاف جزء طبيعي من الحياة، ولا يمكن أن يتفق الناس جميعًا في آرائهم وطباعهم وقراراتهم. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى إهانة، وعندما يصبح النقاش سببًا للقطيعة، وعندما يعتقد الإنسان أن احترامه لنفسه يتطلب أن ينتصر في كل حوار.
لقد أصبح بعض الناس يهربون من الحوار لأنهم يخافون من اكتشاف أنهم مخطئون. فالاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة، بينما العناد أسهل بكثير. ولذلك قد يتمسك الإنسان برأيه رغم وضوح خطئه، ليس لأنه مقتنع به، ولكن لأنه لا يريد أن يظهر أمام الآخرين بصورة الشخص الذي تراجع عن كلامه.
وهناك من تربى على أن التراجع ضعف، وأن الاعتذار هزيمة، وأن تغيير الرأي دليل على قلة الشخصية. وهذه أفكار خطيرة، لأن الإنسان القوي ليس هو الذي يتمسك بخطئه حتى النهاية، وإنما هو الذي يمتلك الشجاعة ليقول أخطأت عندما يكتشف خطأه.
ومن أخطر صور هذه المشكلة أن البعض أصبح يستخدم الصمت والعزلة والقطيعة كوسيلة للعقاب. فإذا حدث خلاف بسيط أغلق أبواب الحوار، وامتنع عن الكلام، وبدأ في نشر أسرار العلاقة أو تشويه صورة الطرف الآخر أمام الناس. وهكذا يتحول خلاف كان يمكن حله في دقائق إلى جرح قد يستمر سنوات.
إن الحوار الحقيقي لا يعني أن يخرج طرف منتصرًا وطرف مهزومًا، بل يعني أن يصل الطرفان إلى فهم أفضل للمشكلة. وقد لا يتفق الإنسان مع غيره في النهاية، لكن يمكنه أن يختلف معه باحترام، وأن يحفظ له كرامته، وأن يترك باب التواصل مفتوحًا.
والأخطر أن ثقافة الخصام السريع بدأت تدخل إلى العلاقات الأسرية. أصبح بعض الأبناء يقاطعون آباءهم عند أول خلاف، وبعض الإخوة يبتعدون عن بعضهم بسبب كلمة، وبعض الأصدقاء تنتهي سنوات من الصداقة بسبب موقف واحد لم يجد فرصة حقيقية للحوار.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: هل كل خلاف يستحق أن نخسر من نحب؟ وهل كل كلمة قيلت في لحظة غضب تستحق أن نهدم بسببها علاقة عمرها سنوات؟ وهل الانتصار في نقاش يستحق أن نخرج منه وقد خسرنا إنسانًا كان يمكن أن يبقى معنا طوال الحياة؟
إن العلاقات القوية ليست العلاقات التي لا تعرف الخلاف، وإنما العلاقات التي تعرف كيف تعبر الخلاف دون أن تتحطم. فالمشكلة ليست أن نختلف، وإنما أن نسمح للاختلاف أن يقتل الرحمة بيننا.
الحلول العملية والإيجابية
أن يتعلم الإنسان الاستماع قبل أن يرد، لأن كثيرًا من الخلافات تبدأ من سوء الفهم لا من اختلاف حقيقي.
أن يفرق بين انتقاد الفكرة وإهانة الشخص، فمن حقنا أن نرفض رأيًا دون أن نهين صاحبه.
أن يتوقف الإنسان عن استخدام كلمات جارحة أثناء الغضب، لأن بعض الكلمات قد تُنسى من اللسان لكنها تبقى سنوات في القلب.
أن يمنح كل طرف الآخر فرصة كاملة للتعبير عن وجهة نظره دون مقاطعة أو استهزاء.
أن يعترف الإنسان بخطئه عندما يكتشفه، لأن الاعتذار لا يقلل من قيمة الإنسان بل يزيده احترامًا.
أن يتعلم الإنسان الانسحاب المؤقت من الحوار إذا كان الغضب شديدًا، ثم يعود للنقاش عندما تهدأ النفوس.
أن تكون هناك حدود واضحة، فلا يعني التسامح قبول الإهانة أو الظلم أو الاعتداء، فالحوار يكون مع من يريد الإصلاح وليس مع من يريد الأذى.
أن يتذكر الإنسان أن بعض العلاقات تستحق أن نقدم من أجلها تنازلًا بسيطًا حتى لا نخسرها بسبب عناد كبير.
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
سورة فصلت الآية 34
وقال سبحانه
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾
سورة البقرة الآية 83
وقال سبحانه
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
سورة آل عمران الآية 134
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب »
رواه البخاري ومسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا »
رواه أبو داود
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« فَلْيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاِسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ »
رسالة يعقوب 1 : 19
وجاء أيضًا
« اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ، وَالْكَلَامُ الْمُوجِعُ يُهَيِّجُ السَّخَطَ »
سفر الأمثال 15 : 1
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى ضبط النفس، وحسن الكلام، والتسامح، والاستماع، وعدم تحويل الخلافات إلى عداوات. فالحوار الهادئ لا يعني ضعف الشخصية، والتسامح لا يعني التنازل عن الحق، والاعتذار لا يعني الهزيمة. وإنما القوة الحقيقية أن يملك الإنسان نفسه عندما يغضب، وأن يعرف كيف يحافظ على كرامته وكرامة الآخرين في الوقت نفسه.
وفي النهاية فإن الإنسان قد ينتصر في ألف نقاش، لكنه إذا خسر بسبب عناده إنسانًا يحبه، فقد يكون قد ربح الكلمات وخسر المعنى. فليس كل خلاف يحتاج إلى خصام، وليس كل اختلاف يحتاج إلى قطيعة، وليس كل خطأ يحتاج إلى نهاية العلاقة. أحيانًا يكون الحل في كلمة هادئة، وأحيانًا في اعتذار صادق، وأحيانًا في لحظة صمت تمنع كلمة جارحة، وأحيانًا في أن يقول الإنسان لنفسه: أنا لا أريد أن أنتصر عليك، أنا أريد أن نصل إلى حل.
فالحياة أقصر من أن نملأها بالخصومات، والعمر أقصر من أن نهدره في إثبات من كان على حق ومن كان على خطأ. وإذا كان هناك شخص يستحق أن نحافظ عليه، فلا تجعل العناد أقوى من المحبة، ولا تجعل لحظة غضب تهدم سنوات من العشرة. تعلم أن تختلف دون أن تكره، وأن تعاتب دون أن تهين، وأن تعتذر دون أن تشعر بالهزيمة، وأن تسامح عندما يكون التسامح إصلاحًا، وأن تضع حدودًا عندما يصبح استمرار العلاقة أذى.






المزيد
Пинко казино отзывы: как не попасть на мошенников
Пинко казино отзывы: как не попасть на мошенников
Пинко казино отзывы: как не попасть на мошенников