الفصل الخامس – ميزان النفس
اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
اسم الكاتب: هاني الميهى
الجزء الأول – إعادة ضبط البوصلة الداخلية
لم تكن إعادة ضبط البوصلة الداخلية قرارًا لحظيًا، بل كانت نتيجة تراكم طويل من الأسئلة المؤجلة. فبعد أن ظننت أننى بلغت مرحلة من الفهم تُغنينى عن التردّد، اكتشفت أن المعرفة، حين لا تُنظَّم، قد تُربك أكثر مما تُنقذ. النفس، بعد أن تُكشَف طبقاتها، تحتاج إلى نظام يُعيد ترتيب اتجاهاتها، وإلا تحوّل الوعى إلى عبء ثقيل..
فى هذه المرحلة من الرحلة، أدركت أن البوصلة لا تختل بسبب الجهل، بل بسبب تداخل الأصوات داخل الإنسان. صوت الرغبة، وصوت الخوف، وصوت التجربة القديمة، وصوت ما يُتوقع منّا. وكلما ازدادت هذه الأصوات، فقدت النفس قدرتها على التمييز، وصارت تتّجه حيث الضجيج أعلى، لا حيث الصواب أو السكينة.
إعادة الضبط لم تكن إنكارًا لما أشعر به، ولا حربًا على داخلى، بل كانت محاولة صادقة لفهم: ما الذى يقودنى فعلًا؟ هل أتحرك بدافع القناعة، أم بدافع الهروب؟ هل أختار لأنى أريد، أم لأنى أخشى أن أُلام؟ هذه الأسئلة لم تكن مريحة، لكنها كانت ضرورية، لأن النفس لا تستقيم على المجاملة.
تعلمت أن البوصلة الداخلية لا تُصلَح بالشعارات، بل بالمواقف الصغيرة التى لا يراها أحد. فى لحظة صمت كان يمكن أن أتكلم فيها، وفى كلمة امتنعت عن قولها، وفى ردّ فعل تأخرت فيه قليلًا حتى أستعيد توازنى. هناك، فى هذه التفاصيل، يبدأ الضبط الحقيقى.
كان أصعب ما واجهته أن أعترف لنفسى بأن كثيرًا من اختياراتى السابقة لم تكن خاطئة فى ظاهرها، لكنها لم تكن نابعة منى. كانت استجابة لتوقعات، أو محاولة لإرضاء، أو خوفًا من خسارة. وعندما بدأت أفرّق بين ما أريده حقًا، وما اعتدت عليه، شعرت وكأننى أتعلم السير من جديد.
إعادة ضبط البوصلة تعنى أن تضع معيارًا ثابتًا تعود إليه كلما التبست عليك الطرق. معيارًا لا يتغيّر بتغيّر المزاج، ولا يتلوّن بتغيّر الظروف. بالنسبة لى، كان هذا المعيار هو السؤال الدائم: هل هذا الاختيار يُقوّينى من الداخل، أم يستهلكنى؟ هل يُقرّبنى من اتزانى، أم يُبعدنى عنه ولو بدا مغريًا؟
فى هذه المرحلة، أدركت أن النفس حين تُترك بلا توجيه، تُجيد اختلاق المبررات. لكنها حين تُواجَه بلطف وحزم، تبدأ فى التعاون. لم أعد أتعامل معها كعدو، ولا كطفل مدلّل، بل كشريك يحتاج إلى قيادة واعية. قيادة لا تقسو فتُكسِر، ولا تتساهل فتُضيّع الاتجاه.
ومع الوقت، بدأت ألاحظ تغيّرًا هادئًا. لم تختفِ الصراعات، لكنها فقدت حدّتها. لم تختفِ الرغبات، لكنها صارت مفهومة، يمكن التفاوض معها. ولم تختفِ الأخطاء، لكنها صارت دروسًا أسرع، وأقل كلفة. هناك، شعرت أن البوصلة بدأت تعمل من جديد.
إعادة ضبط البوصلة ليست لحظة تصل إليها ثم تنتهى، بل ممارسة مستمرة. كل مرحلة جديدة من الحياة تُعيد اختبار هذا الضبط، وكل تغيير خارجى يضغط على الداخل. لكن الفارق الآن أننى صرت أعرف أين أقف، وإلى أين أعود إذا اختل الاتجاه.
وهكذا فهمت أن ميزان النفس لا يُقام مرة واحدة، بل يُصان كل يوم. وأن البوصلة الداخلية، حين تُضبط بصدق، لا تمنعك من التعثر، لكنها تمنعك من الضياع.
رسالة الجزء
إذا لم تُعد ضبط بوصلتك الداخلية، ستقودك الحياة حيث الضجيج، لا حيث الاتزان.
#هاني_الميهى
#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا






المزيد
اصمد يا قلبي فهذا ليس مكانك بقلم سها مراد
كُـن أنـت بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
للظـلام عـيون فاطمة فتح الرحمن أحمد