طفولةٌ بَينَ الرُكام بقلم سارة حنوش
لَنْ تُعجِبُكَ النهاية..
فَهي لَم تُكتب لتُعجِبك؛ بَل كُتِبت لِتُبينَ لكَ الواقعُ الذيْ نعيشُه.
“واقعٌ لا يَحتاجُ إلىْ تَزييف، بَلْ إلىْ مَنْ يَجرُؤ عَلىْ رُؤيته كَما هُو.”
طِفلةٌ صَغيرةٌ كانَتْ تَلعبُ مَعَ الأطفالِ فيْ الحيّ، يَلعبونَ ويركضونَ بَيْنَ رَدمِ البيوتِ وحطامِ المَبانيْ.
تَضحَكُ بِبراءةٍ لا تَعرِفُ مَعنى النِفاق، وَلا تدركُ أنَّ تِلكَ الأَحْجارَ التيْ تَقفِزُ فوقها كَانَتْ يومًا جُدرانًا دافئةً تَأوْي أَحلامًا قُتِلت.
كَانَتْ عَيناها تَلمعان كَنجمتين فيْ ليلٍ مثقلٍ بالغبار، تَحملانِ دَهشةَ الطُفولةِ وعِناد الحياة فيْ آنٍ واحد.
تَضحكُ رُغمَ الأَلَم والمُعاناة وتَصنعُ مِن ابتسامتِها أملًا لِمُستقبلٍ أَفْضل.
كَأنها تُرمّمُ ما تَهدّم فيْ القُلوبِ قبلَ البيوت، وتزرعُ فيْ صُدورِ المُنهكين يقينًا بِأنَ الغد، مَهما تَأخَر، لا بُدَّ أنْ يَأتي..
فالشمسُ مَهما غابت، تُشرِق.. وَمِنْ رَحمِ الليل يُولدُ الفجر.
كانَ الأطفالُ يلعبونَ معًا وصوتُ ضَحِكاتُهم تَتعالى كَسمفونيةٍ جَميلة، وَضَحكاتُهم كانَتْ الفرَحة الوَحيدة التي تُضيء بَينَ الظلام.
تَشُقُّ طَريقها بَينَ أنقاضِ الصمت، وتَكسِرُ وَحشةَ المكان كَما يَكسرُ الفجرُ سَوادَ الليل..
فَجأة..
سَمِعوا صَوتَ انفجارٍ عالٍ.. صَوت دوى صَداهُ فيْ المكانِ !
رَكضَ الأطفالُ سَريعًا كلُ طِفلٍ بِاتجاهِ بَيتِه لِيحتمي بَيْنَ أَضْلُعِه.
رَكَضتْ تِلكَ الطفلة الصغيرة والتي لمْ يَتجاوز عُمرها الخامِسة بَعد.. رَكضتْ بِخوفٍ إلى بَيتِها لِتَختبِئ بَيْنَ أَحضانِه، لِتستكين بينَ ذِراعِ أُمها، وتَطمئن عندَ سماعِ صَوتِ أبيها.
وَصلت الطِفلةُ إلى بَيتها.. فَلمْ تَجِد البيت !
وَجدَت رُكامًا وردمًا وحِجارة، نَظرتْ حَولها ظنًا مِنها أنها أَخطَأت المَكان.. نَظرتْ بِضياعٍ وخوفٍ وألم. اقتربَت مِن حُطامِ البيتِ والخوف يَحتلُ قَلبها، عيناها تَتفصحُ المَكان، تَجولُ في أركانِه المُحطمة، بَحثًا عن مَلامحٍ للبيت الذي تعرفه، اقتربَت أكثرْ وامتَلَأت عَيناها الصغيرتين بِالدموعِ وصَرخت بِقهر: مامااا بابااا.. أينَ أنْتُم لا تَتَرُكوني وَحدي، أُمي أَنا خائِفة.. أينَ أنتَ يا أخي.. أينَ أنتُم ؟
نَظرتْ حَولها والخوفُ يلتهمُ قَلبها الصغير ببطئٍ قاتِل، وقَعَتْ عَيناها علىْ عَروسةٍ صغيرة، تِلكَ العروسة انها تَعرِفُها جَيدًا !
تِلكَ العروسة التي لَطالما لعِبَت مَعها وشارَكتها أسرارَها.
تِلكَ عَروستها..
أَسرَعتْ بِاتجاهها وحَملتها منْ بَينِ الرُكام وَقلبُها الصغير ينتفضُ منَ الخوف،ووجهها البريء غرِق وِسطَ الدُموع، ارتعشَ جَسدُها الصغير مِنَ البردِ والخوف..
“ماما”
كانَت صرخة مِن أعماقِ قلبها الصغير، قالتها بضعفٍ وقهرٍ وخوفٍ.
لمْ يُجبها أحد… سِوا صَمتٍ أثقل مِن الركام.
شدّت العروسة إلى صَدرها بقوّة، كأنها آخرُ ما تبقّى لها مِن عالمٍ كانَ آمنًا قبلَ لحظات،ارتفعتْ شَهقاتُها، واختَنقَ بُكاؤها في صدرٍ صَغيرٍ لمْ يَعُدْ يَتّسع لِكلِ هذا الوجع،
عَيناها تبحثانِ بينَ الأنقاضِ عَن ظِلّ أمّ، عنْ صَوت أبٍ، عن أيّ حَياة.،ولكنْ مِن دون جدوى..
سَمِعتْ أصْواتًا غريبة تقْتَرِب، أَصواتًا قاسيةً مُخيفة.
ارتعشَ جسدُها أكثر، التصقت بالحائط المهدّم، وجلست القرفصاء، وضعت كفّيها الصغيرتين على أذنيها، كأنها تحاول أن تُبعد الخوف عن قلبها الصغير.
همست بصوتٍ مبحوح:
بابا… ماما… أخي… أين أنتم ؟
قالتها بخوف والرعب يَنهشُ أعماقها، لمْ تجِد ردًا ولكن الأصوات ازدادت.. وفَجأة وَجدتْ المكان مُحاصر بتلك الآلات الضَخمة المُخيفة التي لا تَعرِفها..
“دبابات”
كانَ المشهدُ صادمًا يفوق تَحمُل تِلكَ الصغيرة، تَراجعتْ الطِفلةُ خُطوةً إلى الخَلف، شَدّتْ عَروستها إلىْ صدرِها بِقوّة، كَأنها دِرعها الأخير فيْ وجه عالمٍ أصبحَ فجأةً مُخيفًا.
كانت أنفاسُها مُتقطّعة، صَدرُها الصغير يَعلو ويهبِط بِسرعة، وعيناها الصغيرتان تدوران في المكانِ بلا اتّجاه، تَبحثان عن أيّ مأوى… عن أيّ وَجهٍ مألوف.
حاوطها رِجالٌ مِن كُل الأنحاء.. أصبحتْ مُحاطة بِجدارٍ بشري.. وُجوهٌ غَريبة، قَاسِية، مُرعِبة، كانَت دُموعها تنسابُ على وجنتيها بصمتٍ وخوف..
اقتربَ مِنها أحدُ الرِجال مُوجهًا سِلاحه لِوجهِها البريء..
اقتربَ مِنها أكْثر..
اتّسعتْ عيناها رُعبًا، وتَجمّدَ الزمنُ في تِلكَ اللحظة القصيرة…
لَحظةٌ لمْ تَفهم فيها لِماذا يخافُ الأطفال، ولِماذا لا يوجدُ أحد يُساعِدها الآن.
دوى صَوت طلقةٍ في المكان..
سَقطت العَروسة مِن يدها، انزلقتْ على التُرابِ الملطّخ بالغبار…
ثمَ سَقطت الطِفلة أرضًا واختلطتْ دُموعها مع الدِماء.
بَقيت العَروسة مُلقاةً وَحدَها تَسبَحُ وِسطَ بِركةٍ منَ الدِماء، ثَوبُها الصغير مُمزّق، عيناها الزُجاجية تَنظُرُ إلى السماءِ بِلا دموع.
وبجوارها، جَسدٌ صغير سُلِبَتْ مِنهُ الحياة، جَسدٌ صَغيرٌ أنهكهُ الخوف، وسُرِقَت مِنهُ برائته.. وحَياته.
“رَحَلت الطفلةُ للأَبد.. وتَرَكَتْ لِلعالمِ عارَ الصمتْ، فبأي ذَنبٍ قُتِلتْ الطفولة.”






المزيد
اصمد يا قلبي فهذا ليس مكانك بقلم سها مراد
كُـن أنـت بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
للظـلام عـيون فاطمة فتح الرحمن أحمد