الفصل الحادي عشر – النَّفْسُ وَالابْتِلَاء
اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
اسم الكاتب: هاني الميهى
الابتلاء ليس حدثًا عابرًا في حياة الإنسان، ولا ضربة حظ سيئة، بل اختبار كاشف. هو اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة، وتظهر حقيقة النفس كما هي، بلا تجميل ولا ادعاء. في أوقات الرخاء، تستطيع النفس أن تتخفّى خلف الإنجازات والكلمات والنيات المعلنة، أما في الشدة، فلا يبقى إلا الجوهر.
كثيرون يظنون أن الابتلاء كسر، لكن الحقيقة أنه فرز. يفرز الصبر من الادعاء، والإيمان من العادة، والقوة من التظاهر. الابتلاء لا يصنع النفس، بل يكشف ما صُنع فيها مسبقًا. فمن درّب نفسه على الوعي، والثبات، والمراجعة، يجد في المحنة ألمًا مفهومًا لا فوضى مدمّرة. أما من أهمل نفسه، فيُفاجأ بانهيار لا يعرف له سببًا.
النفس في الابتلاء تُواجه ثلاثة اختبارات متزامنة: اختبار الصبر، واختبار المعنى، واختبار الاختيار. فالصبر هنا ليس تحمّلًا سلبيًا، بل قدرة على الثبات دون فقدان البوصلة. والمعنى هو السؤال الأخطر: لماذا يحدث هذا؟ إما أن يتحول إلى باب وعي، أو يتحول إلى فجوة شك. أما الاختيار، فهو كيف تتصرف النفس تحت الضغط: هل تنكسر، أم تتعلم، أم تتمرد بلا وعي؟
لاحظت أن الابتلاء يكشف علاقتنا الحقيقية بالله، وبأنفسنا، وبالناس. من كان صادقًا في داخله، ازداد قربًا ووضوحًا. ومن كان متعلّقًا بالمظاهر، انكشف ضعفه سريعًا. فالألم لا يرحم الأقنعة، ولا يسمح بالاستمرار في التمثيل طويلًا.
ومن أخطر ما تفعله النفس في الابتلاء هو الاستسلام للغضب أو الشعور بالظلم المطلق. ليس لأن الشعور خطأ، بل لأن البقاء فيه يُغلق باب الفهم. الابتلاء لا يُطلب منك أن تحبه، بل أن تفهمه، وأن تسأل: ماذا يُراد تهذيبه في داخلي؟ ما الذي يجب أن يتغير؟ ما الذي يجب أن يثبت رغم الألم؟
النفس الواعية لا تخرج من الابتلاء كما دخلت. إما أن تنضج، أو تتصلّب، أو تنكسر. والفرق لا تصنعه شدة المحنة، بل طريقة التعامل معها. فهناك من خرج من الألم أكثر رحمة، وأكثر فهمًا، وأكثر اتزانًا. وهناك من خرج أكثر قسوة، وأكثر خوفًا، وأكثر انغلاقًا. والاختيار دائمًا داخلي، مهما بدت الظروف قاهرة.
ومع الوقت، يتضح أن الابتلاء ليس نقيض القوة، بل أحد طرق بنائها. فهو يُعيد ترتيب الأولويات، ويُقلّل التعلّق، ويُذكّر النفس بحدودها الحقيقية. وفي هذا الإدراك، تبدأ النفس في التحرر من وهم السيطرة، وتدخل في مساحة أعمق من الثقة والتسليم الواعي، لا العجز ولا الهروب.
وفي النهاية، الابتلاء رسالة شخصية لا تُشبه غيرها. لا يُقاس بألم غيرك، ولا يُفهم بتجارب الآخرين. هو خطاب خاص بينك وبين نفسك، وبينك وبين ربك. ومن قرأ الرسالة بوعي، خرج منها أقوى، لا لأن الألم اختفى، بل لأن النفس تعلّمت كيف تحمل دون أن تنهار.
مُلخّص يقود للفصل الختامي:
وبعد أن تُختبر النفس في الابتلاء، يبقى السؤال الأخير: كيف تحيا النفس مستقيمة بعد كل ما مرّت به؟ الفصل القادم هو الخاتمة… حيث تتجلّى النفس المستقيمة كثمرة لكل ما سبق.
#وَنَفْسٍ_وَمَا سَوَّاهَا
#هاني_الميهى






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى