مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حرية الفشل

بقلم/ خالد محمد شعبان

لُقِّبتُ في حياتي بالكثير من الألقاب، السيئ منها والجيد، لكن أكثرها قربًا إلى قلبي كان لقب «الفاشل».

ولا أقصد هنا أنني أحبُّ الاستسلام، بل أحبُّ فكرة إمكانية إعادة المحاولة؛ فالفشل ليس فقدان الرغبة في التحقيق، فهذا هو اليأس، إنما الفشل هو عدم القدرة على الوصول بالمعطيات الحالية.

ذلك لأن النجاح والتميّز غالبًا ما يكونان مُكَبِّلَيْن؛ فحين يبرز شخصٌ ما في مجالٍ معيّن، يُحاصَر نفسيًا داخل هذا المجال، وتُتجاهَل كل محاولاته الثانوية لتعلُّم أو تطوير أي مهارة أخرى، ويُعاد توجيهه باستمرار نحو نقطة تميّزه.

ومثالٌ على ذلك ما يحدث مع الطلاب في السنة الأخيرة من المرحلة الدراسية (الثانوية العامة أو التوجيهي)، فالطالب المتفوّق، الحاصل على أعلى الدرجات في السنوات السابقة، يُنتظر منه مستوى أعلى مما كان عليه، رغم صعوبة الدراسة في تلك السنة، ويتم عزله عن كل ما يحبه أو يرغب فيه حتى يحقق الدرجة المرجوّة؛ فغير مسموح له بتجربة العزف أو تعلُّم السباحة، بل أحيانًا لا يُسمح له بالخروج من البيت في الشهور الأخيرة قبل الامتحان.

في المقابل، الطالب المتوسط أو الذي يُوصَف بالفشل، لا يُتوقَّع منه النجاح أساسًا، فيتركه والداه يفعل ما يحلو له، مُخطِّطين لإيجاد وظيفة محلية له، أو لتجنيده في الخدمة العسكرية في نهاية المطاف. فإن كان هذا الطالب من «الفاشلين الأحرار» كما أسميهم، فقد يفاجئ أهله بالنجاح، ويكون مجرد نجاحه فرحةً عارمة للأسرة كلها مهما كانت الدرجة؛ لأنه نال حريته في تجربة أنماط الدراسة المختلفة، وتطوير المهارات النفسية والعملية والمجتمعية التي تؤهله لتخطّي تلك السنة بسهولة. وبما أن الامتحانات ليست أولويته القصوى، فهو لا يهتم إلا بما يراه مناسبًا له، وأهله – عن غير قصد – يعينونه على ذلك بـ «فقدان الأمل» فيه!

أما المتفوّق الذي وُفِّرت له كل أسباب النجاح، فنزوله عن النتيجة المثالية بدرجة واحدة قد يجعل البيت كله في حالة حزن، رغم أن الابن حقق نجاحًا ساحقًا، لكنه لم يستطع أن يكون «الأنجح» بين أقرانه. لقد اعتادوا منه التميّز، فلم يعودوا يقبلون منه مجرد النجاح.

وهنا يكمن الفرق؛ فالناجح يُحصَر في توقعات المجتمع فيما نجح فيه، ويُطالَب بأن يتفوّق على نفسه في كل مرة، على عكس الفاشل الذي لا يتوقع أحد منه أن يفلح ولو مرة، وهذا هو مفتاح حريته. فمن حقه أن يجرّب ويتعلّم ويطوّر نفسه في أي مجال دون قيود أو ضغوط مجتمعية، وهذا ما أسميه «حرية الانسحاب».

في مثالنا: إن رفض الطالب «الفاشل» إكمال تعليمه ورغب في ممارسة حرفة، فلن يجد مقاومة شديدة؛ لأنه من الأصل يُعتبر استثمارًا خاسرًا، أما الطالب المتفوّق فمجرد التبرّم من الدراسة يعرّضه لمحاضرة عن تاريخه الحافل الذي سينهار!

ورغم أن إحساس التقدّم في شيء ما إحساس رائع، فإن قيد «عدم القدرة على الانسحاب» يعرّضنا لضغط نفسي شديد، ويجعل المضي قُدمًا فيما تميّزنا فيه مرهقًا ومؤلمًا نفسيًا.

لذلك علّمنا الله تعالى أهمية الإيمان باسمه الرزّاق، وأن السعي سبيل الوصل، لكن المجتمع يجعلنا نتصوّر أننا سنغرق إذا غادرنا القارب الذي بنيناه بأيدينا، رغم أن المياه ما تزال ضحلة في كثير من الأحيان.

على عكس «الفاشل» الذي يمكنه بناء ألف قارب وهدمها، واستكشاف ألف جزيرة، والعودة حين يشاء، دون أن يُجبَر على قضاء عمره في سفينة واحدة.

نحن نتعلّم لنتطوّر لا لنتقوقع، وقد كان علماء الأزمنة الماضية يجمعون بين الطب والفلسفة والفقه والكيمياء. وصحيح أن ذلك صعب اليوم، لكنني أقصد أن المجتمع الحديث ينحت الناجحين حتى يستنزفهم، ويترك الفاشلين أحرارًا.