بقلم: داليا فرج الطواب
ماذا لو استيقظنا يومًا وقد اختفى من داخلنا ذلك الصوت الخفي الذي يدفعنا باستمرار إلى مقارنة حياتنا بحياة الآخرين؟
ماذا لو نظر كلٌّ منا إلى طريقه الممتد دون أن يلتفت في كل خطوة ليرى أين وصل غيره؟ كيف ستتغير نظرتنا لأنفسنا، وإلى الحياة والفرص من حولنا؟
أولاً: وهم الشاشات ومصيدة التقييم المشوّه
في عالم تمتلئ فيه الشاشات بصور النجاح البرّاق، والرفاهية، والإنجاز المتواصل، أصبحت المقارنة عادة تلقائية يمارسها كثيرون دون أن يشعروا.
نرى لحظات الآخرين المضيئة والمصطفاة بعناية، ثم نقابلها كشريط كامل بتفاصيل حياتنا اليومية، بما فيها من تعب، وتعثر، وانتظار طويل؛ فنخرج بانطباع مضلل وظالم لأنفسنا بأننا أقل حظًا، أو أبطأ وصولًا، أو أبعد عن أحلامنا مما ينبغي.
ولو اختفت المقارنات، لاختفت معها مساحة واسعة من القلق والتوتر الذي نصنعه بأيدينا. فلن نعد نسعى إلى أهداف لمجرد أن الآخرين سبقونا إليها، ولن نلهث خلف إنجازات براقة لا تعبر عنا. سنصبح أكثر قدرة على الإصغاء الهادئ إلى ذواتنا، وسنطرح السؤال الذي يضيع دائمًا وسط ضجيج المنافسة: “ماذا أريد أنا حقًا؟”.
ثانياً: جمال البدايات والرضا بالتوقيت الإلهي
وحينها ستستعيد البدايات سحرها وجمالها؛ فلن نخجل من أول خطوة خجولة، ولن نستصغر المحاولات الصغيرة، لأننا لن نقارن بداياتنا الشاقة بنهايات الآخرين ومواسم حصادهم.
سندرك بوعي أن لكل إنسان ظروفه الخاصة، ولكل رحلة توقيتها المقدر، وأن الثمار لا تنضج جميعها في الفصل نفسه.
وسنكتشف أيضًا أن الرضا لا يولد من امتلاك ما لدى الآخرين، بل من رؤية قيمة وبركة ما بين أيدينا. وسيتحول النجاح من سباق محموم مع الناس إلى رحلة سلام مع الذات؛ يكون معيارها الأساسي التقدم لا المقارنة، والنمو الذاتي لا المنافسة السلبية.
فليست المشكلة في نجاح الآخرين، وإنما في اعتقادنا الخاطئ أن نجاحهم ينتقص من فرصنا، بينما الحقيقة الناصعة هي أن لكل إنسان رزقه المقسوم، ولكل ساعٍ نصيبه المكتوب.
ثالثاً: صفاء القلوب وسرقة الهوية
وعندما تتحرر القلوب من قيود المقارنة، تصبح العلاقات الإنسانية أكثر صفاءً ونقاءً؛ نفرح لإنجاز الآخرين دون غصة خفية، ونبارك لهم بصدق من عمق أرواحنا، لأننا ندرك أن الخير الإلهي لا يُقسم على حساب أحد، وأن العطاء الرباني أوسع من أن يضيق بنجاح شخص أو تميز آخر.
ولعل أخطر ما تفعله المقارنة أنها لا تسرق سعادتنا وراحتنا فحسب، بل تسرق هويتنا الحقيقية أيضًا!
فهي تدفع الإنسان، شيئًا فشيئًا، إلى أن يعيش حياة لا تشبهه، وأن يطارد أحلامًا لم يخترها بقلبه، وأن يقيس قيمته الإنسانية بمعايير لم يضعها هو. وحين يحدث ذلك، يفقد الإنسان نفسه وهو يظن أنه يبحث عنها.
خاتمة ورسالة:
وفي النهاية، قد لا نستطيع أن نمنع المقارنات من الظهور والانتشار من حولنا، لكننا نستطيع بوعينا أن نمنعها من الاستقرار والتغلغل داخلنا.
فالحياة ليست مضمار سباق، بل هي رحلة يتفرد فيها كل إنسان بخطواته، وتجربته، وتوقيته.
وحين نتوقف عن قياس حياتنا بحياة الآخرين، سنكتشف أن أعظم إنجاز ليس أن نسبق أحدًا، بل أن نصل إلى أفضل وأجمل نسخة من أنفسنا. فلكل إنسان بصمته التي لا يكررها أحد، ورسالة لا يستطيع أن يؤديها سواه… وحين يدرك ذلك، يتوقف عن المقارنة، ويبدأ الحياة.






المزيد
رسالة إلى كل طالب: من الابتدائي إلى الجامعة.. عامكم الجديد يبدأ من هنا
ما بين النعيم والجهل
بذور يرويها الخوف