مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حينما يكونُ الثباتُ صرخةَ ألمٍ صامتة

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

(أخصائي نفسي)

نحن نعيش في زمنٍ يُمجّد القوة ويحتقر الضعف، حتى صار كل واحدٍ منا يرتدي درعاً من حديد، ويخفي تحته قلباً يرتجف.

نبتسمُ في وجوه الناس، ونقول “نحن بخير”، بينما في داخلنا معركةٌ لا تهدأ… فهل فكرتَ يوماً أن أكثر الناس ثباتاً، هم أكثرهم ألماً؟

صلبٌ في الخارج، مُحطّمٌ في الداخل

ليست كل قوةٍ هي قوةٌ حقيقية؛ فهناك قوةٌ نولد بها، وقوةٌ تُفرض علينا فرضاً.

القوةُ المفروضة هي الأقسى؛ هي أن تكونَ السندَ للجميع لأن لا أحد غيرك موجود، وهي أن تضطرَّ أن تكونَ قوياً لأن الانهيارَ سيكلفُك الكثير.

كم من شخصٍ تراه يضحك بصوتٍ عالٍ، وهو يحمل في صدره حزناً لا يُحكى؟

وكم من شخصٍ تراه ثابتاً لا يميل، وهو في الحقيقة يتمنى لو يميلُ قليلاً فيجدُ كتفاً يستندُ عليه؟

لماذا نصمت؟

نصمتُ لأننا تعبنا من الشرح… فشرحُ الألمِ متعبٌ أكثر من الألمِ نفسه.

نصمتُ لأننا جرّبنا أن نشتكي فلم يفهمنا أحد؛ قالوا لنا “أنت قوي، ستتجاوز”، وكأن القوةَ تمنعُنا من أن نتألم!

فاخترنا الصمت. صار ثباتنا هو صرختنا الوحيدة… نقفُ بصمت، نتحملُ بصمت، ونبكي في الخفاء بصمت.

المعالجة: كيف نُرمم الداخل دون أن نهدم الخارج؟

وهنا، كأخصائي، أقول لك: إن ما تمرُّ به ليس ضعفاً، بل هو ما نسميه في علم النفس “إنهاك القوة”.

وشفاؤك يبدأ من هنا:

1. الاعتراف هو أول الشفاء: القوةُ الحقيقية ليست في الإنكار، بل في أن تقول لنفسك بصدق: “أنا متعبٌ الآن”. المشاعرُ التي لا نعترفُ بها لا تختفي، بل تتحولُ إلى ثقلٍ في الجسدِ والروح.

2. فرّق بين الثباتِ والتصلّب: الثباتُ الصحي هو أن تقفَ وأنت مرن، تسمحُ لنفسك أن تميلَ أحياناً. أما التصلّبُ فهو أن ترفضَ الميلَ حتى تنكسر. اسأل نفسك: هل أنا ثابتٌ لأني مطمئن، أم ثابتٌ لأني خائفٌ من السقوط؟

3. ابحث عن كتفك الآمن: أنتَ الذي كنتَ كتفاً للجميع، حان الوقتُ لتجدَ كتفك أنت. اختر شخصاً واحداً آمناً، ولو لمرةٍ واحدة في الأسبوع، وقل له جملةً واحدة بلا تجميل: “أنا لستُ بخير اليوم”. مجردُ قولها يُخففُ نصفَ الثقل.

4. أعدْ لنفسك حقَّ الضعف: خصص عشر دقائق يومياً بلا قناع؛ بلا هاتف، وبلا نصائح للآخرين. اجلس مع نفسك واسألها: ما الذي تؤلمني حقاً اليوم؟ واكتبه. البكاءُ، الكتابةُ، والتنفسُ العميق، كلها ليست ضعفاً، بل هي صيانةٌ ضروريةٌ لقلبٍ يعملُ كثيراً.

الخاتمة ورسالتي لك:

لا تنخدعوا بالمظاهر؛ فليس كلُّ من يبتسمُ سعيداً، وليس كلُّ من يثبتُ قوياً… ابحثوا عن أولئك الثابتين كثيراً، واسألوهم بصدق: كيف حالكم حقاً؟

ورسالتي لك أنت أيها القارئ القوي: يكفي.

اسمح لنفسك أن تتعب، أن تبكي، أن تقول لا أستطيع. القوةُ ليست أن تتحملَ للأبد، بل أن تعرفَ متى تتوقفُ لتحمي نفسك… فأن تكونَ قوياً وضعيفاً في آنٍ واحد، تلك هي الإنسانيةُ الكاملة.