الفصل الثامن
الكاتب هاني الميهى
حين صار الاحتياج تهمة
وجع خفي
كانت النفس تعرف أن الاحتياج لا يؤلم في ذاته.
الذي يؤلم أحيانًا هو ما تعلمه الإنسان عنه.
في البداية، كان من الطبيعي أن تمتد يد إلى يد أخرى. أن يُطلب العون، أن يُنتظر أحد، أن يشعر الإنسان بأن وجود شخص آخر يمكن أن يجعل يومه أخف.
ثم حدثت لحظة ما.
طلبٌ قوبل بالضيق.
حاجة جرى استخدامها لاحقًا في لحظة خلاف.
ضعفٌ تحوّل إلى مادة للوم.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت النفس تعيد حساباتها.
—
صار الإنسان يتردد قبل أن يطلب.
يحمل أشياءه وحده.
يتعب ولا يقول.
يحتاج ولا يقترب.
وإذا سأله أحد:
«لماذا لم تخبرني؟»
جاءت الإجابة هادئة:
«مفيش حاجة.»
لكن النفس كانت تعرف أن هناك حاجة.
فقط، لم يعد الإنسان يثق في الطريق المؤدي إليها.
—
في العمل، كانت تظهر المسألة في تفاصيل صغيرة.
موظف يواجه مشكلة، فيظل ساعات يحاول حلها وحده.
يمر زميل بجواره ويسأله:
«أساعدك؟»
يرفع عينيه قليلًا، ثم يقول:
«لا، تمام.»
يعود إلى الشاشة.
قد يحتاج فعلًا إلى المساعدة.
لكن كلمة «لا» أصبحت أسرع من الاعتراف بالحاجة.
ليس لأنه يريد إثبات القوة.
أحيانًا لأن النفس تعلمت أن الاعتماد على الآخرين قد يضع شيئًا من كرامتها في أيديهم.
—
وفي العلاقات، كان الاحتياج أكثر حساسية.
قد يشتاق الإنسان ولا يتصل.
يتعب ولا يطلب الاحتواء.
يحتاج إلى كلمة، لكنه ينتظر أن تأتي وحدها.
كأنه يريد أن يُفهم دون أن يضطر إلى الكشف عن حاجته.
وكانت النفس ترى المفارقة.
هو يريد القرب، لكنه يخاف أن يظهر احتياجه.
يريد أن يُطمأن، لكنه لا يريد أن يسأل.
يريد أن يشعر بأنه مهم، لكنه يخشى أن يقول ذلك.
فيتحول الاحتياج إلى صمت، ثم يتحول الصمت إلى مسافة.
—
لم تكن النفس ترى في ذلك كبرياءً دائمًا.
أحيانًا كان الأمر أقدم من الكبرياء.
كان خوفًا من أن يصبح الإنسان عبئًا.
وهذا الخوف يجعل بعض الناس يعتذرون حتى عن احتياجاتهم.
«معلش لو أزعجتك.»
«لو مشغول خلاص.»
«ولا يهمك.»
كلمات تبدو مهذبة.
لكن خلفها شيء آخر.
كأن النفس تقول قبل أن يرفضها أحد:
أنا أعرف أنني أطلب كثيرًا، لذلك سأعتذر قبل أن تطلب مني الرحيل.
—
ومع الوقت، يتعلم الإنسان الاعتماد على نفسه إلى درجة لا تسمح لأحد بأن يقترب.
ينجح في كل شيء.
يحمل كل شيء.
ويبدو متماسكًا.
لكن النفس تعرف أن هناك فرقًا بين القدرة على حمل الحياة، وبين ألا يجد الإنسان مكانًا يضع فيه حمله.
وفي مساء هادئ، جلس وحده بعد يوم طويل.
لم يكن يريد حلًا.
لم يكن يريد نصيحة.
كان يريد فقط أن يقول:
«أنا متعب.»
ظل صامتًا قليلًا.
ثم أرسل رسالة قصيرة.
لم يكتب تفاصيل.
فقط:
«ممكن نتكلم شوية؟»
وصل الرد سريعًا.
«طبعًا.»
توقفت النفس لحظة.
لم يكن في الكلمة شيء استثنائي.
لكن شيئًا داخلها هدأ.
لأن الاحتياج، حين يجد مكانًا آمنًا، لا يعود تهمة.
يصبح مجرد حقيقة إنسانية بسيطة؛
أن بعض الأحمال لا تصبح أخف لأن الإنسان أقوى…
بل لأن هناك من يشاركه حملها.






المزيد
Probiv test post
اضطرابات كاذبةبقلم رؤي خالد محمد،
الحرية بقلم أميره محمد عبدالرحيم